ويرتكز هذا الوعد إلى حد كبير على نقطة ارتكاز واحدة، هي ميناء جبل علي، وممر بحري واحد، هو مضيق هرمز. ومنذ تصاعد النزاع الإقليمي المرتبط بإيران في ربيع عام 2026، تحولت نقطة الارتكاز هذه إلى أكبر نقطة ضعف استراتيجية للإمارة. وفي مواجهة هذا الوضع، تُسرّع دولة الإمارات العربية المتحدة سلسلة من مشاريع البنية التحتية الهادفة إلى الحد من اعتمادها على المضيق. غير أن الحجم الفعلي لهذا التحول يستحق التوضيح، وكذلك توزيع الأدوار بين أبوظبي ودبي.
جبل علي، أصل استراتيجي لكنه مكشوف
لا يُعد جبل علي ميناءً عاديًا. فهو الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية (DP World)، ويُصنَّف من بين أكبر الموانئ الاصطناعية العميقة في العالم، ويشكل البوابة الرئيسية لدخول وخروج البضائع من دبي. فهو يربط الإمارة بمراكز التصنيع الآسيوية وأسواق الاستهلاك الأوروبية، وبشبكة لوجستية تُسند جزءًا كبيرًا من التجارة الإقليمية.
والمشكلة جغرافية بقدر ما هي استراتيجية. فكل سفينة تدخل جبل علي أو تغادره يجب أن تمر عبر مضيق هرمز، وهو ممر لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترًا عند أضيق نقاطه، وكان يمر عبره حتى وقت قريب نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. ومنذ بدء الحصار على المضيق في أوائل مارس 2026، في سياق النزاع بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، أصبح هذا الممر مسرحًا لهجمات متكررة استهدفت سفنًا تجارية ومنشآت طاقة. ووفقًا لسلطان أحمد الجابر، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية أدنوك، فقد فُقد أكثر من مليار برميل نفط منذ إغلاق المضيق، مع خسارة نحو 100 مليون برميل إضافي أسبوعيًا طوال استمرار الحصار.
تحول بدأ فعليًا نحو الساحل الشرقي
في مواجهة هذا الخطر، لا تنطلق الإمارات من الصفر. فهي تملك منذ عام 2012 خط أنابيب يربط حقول حبشان النفطية في غرب أبوظبي بمحطة الفجيرة على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز. وهذه البنية التحتية، المعروفة باسم “أدكوب” (ADCOP)، كانت تتيح آنذاك بالفعل التفافًا جزئيًا حول هرمز، بطاقة تراوحت بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا.
وهذا هو النظام ذاته الذي تعمل الدولة حاليًا على مضاعفته. ووفقًا لتصريحات أدنوك ومكتب أبوظبي الإعلامي، فإن خط أنابيب ثانيًا، يقوده ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد تحت اسم “خط الأنابيب الشرقي الغربي”، كان قد اكتمل بنسبة تقارب 50 % بحلول مايو 2026، مع استهداف تشغيله في عام 2027. وسيضاعف هذا الخط الطاقة التصديرية عبر الفجيرة. كما أشارت أدنوك إلى أنها تدرس إنشاء خط أنابيب ثالث.
ويتبع الجانب المتعلق بالموانئ المنطق نفسه. ووفقًا لتصريحات وزير التجارة الخارجية الإماراتي، ثاني الزيودي، التي نقلتها الصحافة الإقليمية، فإن الخطة تتمحور حول توسيع موانئ الساحل الشرقي، في دبا والفجيرة وخورفكان، مع دراسة إنشاء ميناء إضافي واحد على الأقل على هذا الساحل. غير أن هذه المشاريع لا تزال في مرحلة التخطيط، دون جدول زمني أو ميزانية رسمية، وإن كان الاستثمار المطلوب سيبلغ على الأرجح مليارات الدولارات.
الدور الخاص بدبي في هذا التوجه
يجدر هنا توضيح نقطة مهمة، كثيرًا ما تُغفَل في التغطية الإعلامية لهذا الملف، وهي أن الجزء الأكبر من جهود الالتفاف على هرمز تقوده أبوظبي، عبر شركة أدنوك، شركة النفط الحكومية في الإمارة المجاورة، وليس دبي. أما جبل علي فهو مملوك لشركة موانئ دبي العالمية، التي تملكها حكومة دبي.
لكن دبي ليست غائبة عن هذا التحرك. فوفقًا لمعلومات نقلتها الصحافة الملاحية المتخصصة، ونسبتها إلى صحيفة “فايننشال تايمز”، تدرس موانئ دبي العالمية إنشاء ميناء جديد بالكامل على ساحل الفجيرة، إضافة إلى توسيع محطة الحاويات القائمة هناك، التي تديرها مجموعة موانئ أبوظبي (AD Ports) بموجب امتياز مدته 35 عامًا وُقّع عام 2017 مع سلطة ميناء الفجيرة، التي تسيطر عليها بدورها الأسرة الحاكمة آل شرقي. ومن شأن مشروع كهذا أن يضع موانئ دبي العالمية في موقع يتيح لها استنساخ نموذج النمو الذي حقق نجاح جبل علي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، على الساحل الشرقي للبلاد هذه المرة.
أما الرابط البري بين هذه النقاط المختلفة فهو قائم إلى حد كبير بالفعل. فشبكة السكك الحديدية الاتحادية “الاتحاد للقطارات”، التي تمتد الآن نحو 900 كيلومتر بين الحدود السعودية عند الغويفات ومدينة الفجيرة، تخدم أربعة موانئ وأحد عشر محطة، من بينها ميناء خليفة وجبل علي والفجيرة. كما أُطلق في 20 سبتمبر 2026 رابط شحن جديد يبلغ طوله نحو 200 كيلومتر بين الفجيرة ومنطقة آيكاد الصناعية في أبوظبي، بواقع ثلاث رحلات أسبوعية، ما يقلل الاعتماد على النقل البري لمسافات طويلة للحاويات.
الأرقام الأساسية لعملية الالتفاف
- خط أنابيب “أدكوب” القائم: نحو 380 كيلومترًا، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًا، يعمل منذ عام 2012
- خط الأنابيب الثاني “الشرقي الغربي”: اكتمل بنسبة تقارب 50 % في مايو 2026، مع استهداف التشغيل في 2027
- شبكة “الاتحاد للقطارات”: نحو 900 كيلومتر، تخدم أربعة موانئ من بينها جبل علي وميناء خليفة والفجيرة
- رابط الشحن الجديد بين الفجيرة وآيكاد: نحو 200 كيلومتر، أُطلق في 20 سبتمبر 2026
- الخسائر المقدَّرة منذ حصار المضيق: أكثر من مليار برميل، وفقًا لأدنوك
حدود استراتيجية الالتفاف
مهما بلغ طموح استراتيجية التنويع هذه، فإنها لا تضع الإمارات بمنأى تام عن كل خطر. ويشير عدد من المحللين الذين استشهدت بهم الصحافة المتخصصة في جغرافيا الطاقة السياسية إلى أن الفجيرة، وإن كانت خارج مضيق هرمز، لا تزال قريبة جغرافيًا من الأراضي الإيرانية، ومعرضة لضربات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، على غرار الهجمات المسجَّلة بالفعل على منشآت في المنطقة. وبالتالي، فإن الالتفاف على هرمز لا يعني التحرر الكامل من التهديد الإيراني، بل يعني بالأحرى توزيع المخاطر على عدة نقاط وصول.
وللتحول حدود تقنية أيضًا. فالنفط الخام يمكن إعادة توجيهه عبر خطوط الأنابيب بسهولة نسبية، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لكل المنتجات. فالغاز الطبيعي المسال والألمنيوم، وهما صادرتان مهمتان للمنطقة، أصعب بكثير في إعادة توجيههما نحو الساحل الشرقي، لغياب البنية التحتية الملائمة. كما لا تزال الإمارات تعتمد بشكل كبير على موانئ الخليج، بما فيها جبل علي وميناء خليفة، لوارداتها، ما يعني أن تحويل مزيد من حركة النقل نحو الموانئ الشرقية سيرفع تكاليف النقل.
وأخيرًا، لا يزال الغموض قائمًا حول بعض المشاريع الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي أُعلن عنه عام 2023. فمذكرة التفاهم المؤسِّسة لا تحدد الميناء الإماراتي الذي سيكون نقطة الدخول، فمسار عبر جبل علي أو خليفة سيُبقي الاعتماد على مضيق هرمز قائمًا، بينما مسار عبر الفجيرة، المرتبطة أصلًا بشبكة السكك الحديدية، سيقلّصه بشكل ملموس. وهذا الاختيار في البنية التحتية، غير المحسوم بعد، سيحدد إلى حد كبير مدى الصمود الفعلي لهذا الممر.
ما يعنيه هذا للاقتصاد العالمي
توضح الحالة الإماراتية توجهًا أوسع يُلاحَظ في الخليج منذ بداية النزاع، إذ تستثمر السعودية أيضًا، وهي التي تُعد الأكثر تقدمًا في هذا النوع من الالتفاف، إلى جانب منتجين آخرين، في طرق بديلة، في حين ستظل دول مثل قطر، المصدِّرة للغاز الطبيعي المسال، معتمدة إلى حد كبير على المضيق لغياب بديل موثوق. ووفقًا لخبراء في القطاع استشهدت بهم الصحافة المتخصصة، يُتوقع استثمار عشرات مليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة لإعادة رسم تدفقات الطاقة في المنطقة.
وبالنسبة لدبي، كما بالنسبة للإمارات ككل، فإن الرهان يتجاوز مسألة الطاقة وحدها. فالأمر يتعلق بالحفاظ على مصداقية نموذج اقتصادي قائم على سلاسة التبادل التجاري وثقة المستثمرين الدوليين. ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا التنويع، الذي لا يزال جزئيًا ومركّزًا على المحروقات، سيتمكن من التوسع بسرعة كافية ليشمل قطاعات تجارية أخرى، بما يوفر حماية دائمة في مواجهة مضيق لا تُظهر حالة عدم استقراره، في المرحلة الراهنة، أي مؤشر على هدوء دائم.
أسئلة شائعة
هل مضيق هرمز مغلق بالكامل أمام حركة الملاحة البحرية؟
لا، فهو لا يزال قيد الاستخدام، لكن حركته تشهد اضطرابًا كبيرًا منذ مارس 2026 بسبب الهجمات والقيود المرتبطة بالنزاع الإقليمي، ما دفع منتجي الخليج إلى البحث عن طرق بديلة.
هل خط الأنابيب الإماراتي الجديد قيد التشغيل بالفعل؟
لا. فوفقًا لأدنوك، كان قد اكتمل بنسبة تقارب 50 % بحلول مايو 2026، مع استهداف تشغيله في عام 2027.
هل تتخلى دبي عن جبل علي لصالح الساحل الشرقي؟
لا. فجبل علي لا يزال محوريًا في النموذج الاقتصادي لدبي. وتقود أبوظبي بشكل رئيسي جهود الالتفاف على هرمز عبر أدنوك، فيما تشارك دبي بشكل خاص من خلال مشروع ميناء جديد تدرسه، بحسب ما نُقل، موانئ دبي العالمية في الفجيرة.
هل تُلغي هذه الاستراتيجية كل المخاطر عن الإمارات؟
لا. فبنية الساحل الشرقي لا تزال قريبة جغرافيًا من إيران، وبالتالي معرضة لضربات محتملة، كما أن بعض الصادرات، مثل الغاز الطبيعي المسال والألمنيوم، لا تزال صعبة إعادة توجيهها بعيدًا عن المضيق.