ففي 17 سبتمبر، أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس ببيع محتمل لـ 48 مقاتلة من طراز إف-35 إيه إلى المملكة العربية السعودية، بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار. وقبلها بيوم، في نيويورك، التزمت الرباط وتل أبيب بترقية مكتبي الاتصال إلى مستوى سفارتين. لا رابط رسميًا بين الإعلانين، لكنني أقرأهما معًا، لأنهما يغيّران المعطيات السياسية لملف ظلّ عالقًا طويلًا.
توضيح منذ البداية: إلى حدود اليوم، لم تعلن واشنطن أي ترخيص للمغرب. يظل الملف المغربي صفقة ممكنة، لا عملية شراء مكتملة.
خيار قديم في سياق جديد
اهتمام المغرب بمقاتلة لوكهيد مارتن ليس جديدًا. فمنذ 2025، تتحدث وسائل إعلام متخصصة، وفي مقدمتها «ميليتري أفريكا»، عن اقتناء 32 مقاتلة إف-35 إيه بمبلغ يتراوح بين 17 و18 مليار دولار بحسب التقديرات. ويشمل هذا المبلغ الطائرات والتكوين والتجهيزات والدعم اللوجستي، وتضيف بعض المصادر أنه سيمتد على نحو أربعين عامًا. لم تؤكد أي من الحكومتين هذه الأرقام، ولذلك أعتبرها تقديرات لا معطيات رسمية.
إف-35 مقاتلة شبحية تُصنّف ضمن الجيل الخامس. وبفضل تخفّيها عن الرادارات وأجهزة استشعارها وقدرتها على دمج بيانات ساحة المعركة، تُعدّ من أكثر الطائرات المطلوبة في العالم وأشدّها خضوعًا للرقابة. وتنظّم واشنطن تصديرها بصرامة، لأنها تنطوي على تقنيات حساسة.
ما الذي قررته واشنطن فعلًا بشأن الرياض
يشمل الإخطار المتعلق بالسعودية 48 مقاتلة إف-35 إيه، و49 محركًا من صنع برات آند ويتني من طراز إف-135، إضافة إلى معدات اتصال وأجهزة محاكاة وتدريب وقطع غيار. وتبرر وزارة الخارجية الأمريكية المشروع بتعزيز قدرات الردع لدى المملكة وقابلية التشغيل المتبادل مع القوات الأمريكية. وتؤكد كذلك أن الصفقة لن تغيّر التوازن العسكري في المنطقة.
غير أنه ينبغي قياس النطاق الدقيق لهذه الخطوة:
- يملك الكونغرس ثلاثين يومًا لدراسة الإخطار، ويمكنه محاولة عرقلته عبر قرار مشترك.
- يعارض بعض النواب الصفقة، خشية تسرّب التكنولوجيا إلى الصين بسبب الروابط العسكرية والتكنولوجية بين الرياض وبكين.
- بحسب مكتب أبحاث الكونغرس، لم يسبق أن أُوقفت أي صفقة أسلحة بهذه المسطرة. لكن ذلك لا يضمن شيئًا.
- قد يتغير السعر والكميات والجدول الزمني خلال المفاوضات.
وثمة سابقة تدعو إلى الحذر. ففي 2020، حصلت الإمارات العربية المتحدة على إخطار بخصوص مقاتلات إف-35، لكن أبوظبي علّقت المحادثات في أواخر 2021 بسبب خلافات حول الشروط المفروضة. فالإخطار إذن ضوء أخضر من حيث المبدأ، لا تسليم.
وإذا تحققت الصفقة السعودية، ستصبح المملكة أول دولة عربية تشغّل إف-35، وتتوقف إسرائيل عن كونها المستخدم الوحيد للطائرة في الشرق الأوسط. وهذا ما يهم الرباط: فإذا قبلت الولايات المتحدة توسيع الوصول إلى شريك عربي، يضعف مبدأ الاستثناء الإقليمي نفسه.
العامل الإسرائيلي والعلاقة مع واشنطن
لا تُباع إف-35 في المنطقة دون مراعاة التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وهو مبدأ تقول واشنطن إنها تريد الحفاظ عليه. وقد كانت التحفظات الإسرائيلية حتى الآن من أبرز العوائق أمام أي بيع لدولة عربية. غير أنه في الحالة المغربية، تفيد عدة وسائل إعلام متخصصة بأن تل أبيب لن تعارض الصفقة، دون أن يؤكد ذلك أي موقف رسمي. لذلك ألتزم بهذه الصياغة.
ويسير الجدول الدبلوماسي في الاتجاه نفسه. ففي الأربعاء 16 سبتمبر، اجتمع في نيويورك ناصر بوريطة وجدعون ساعر وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز. ووفق بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية، التزمت الدول الثلاث بترقية بعثاتها إلى مستوى سفارات وتعيين سفراء، دون جدول زمني محدد. كما أعلنت القدس عن اتفاقات اقتصادية قبل نهاية 2026 وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة. ولم يكن المغرب قد علّق على الأمر بشكل فوري.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة شهدت تباطؤًا واضحًا بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023. ويشكل هذا الإعلان بالتالي عودة للزخم، في سياق إقليمي لا يزال متوترًا.
الصحراء الغربية في الخلفية
قام التقارب في ديسمبر 2020 على مقايضة: اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية من جهة، واستئناف العلاقات مع إسرائيل من جهة أخرى. ومنذ ذلك الحين، تسعى الرباط إلى ترسيخ مخطط الحكم الذاتي دوليًا كإطار لحل نهائي للنزاع.
وفي هذا الإطار، أصبح الدفاع أحد ركائز العلاقة مع واشنطن. ولن تكون إف-35 مجرد أداة عسكرية، بل رمزًا لمستوى الثقة السياسية والتكنولوجية الذي تمنحه الولايات المتحدة لشريك ما. وهذا ما يفسر أيضًا اهتمام الملف الذي يتجاوز الدوائر العسكرية بكثير.
المعطى الجزائري
المتغير الآخر جزائري، لكن ينبغي قياسه بدقة. ففي نوفمبر 2025، وخلال معرض دبي للطيران، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة الطائرات المتحدة الروسية تسليم أول مقاتلتين من طراز سو-57 إي، النسخة التصديرية من المقاتلة الشبحية الروسية، إلى زبون أجنبي لم يسمّه. وتُحدَّد الجزائر على نطاق واسع بوصفها هذا الزبون، لكن الجزائر لم تصدر أي تواصل رسمي بشأن الموضوع.
وبناءً على هذه المعلومات، لن تتوفر الجزائر في هذه المرحلة إلا على مقاتلتين اثنتين من طراز سو-57 إي، بخيارات محدودة. ولذلك ينبغي نسبية الأهمية العسكرية الفورية لهذا الاقتناء. غير أن بعض المصادر تتحدث عن عقد يشمل على المدى البعيد عددًا أكبر من الطائرات، وهو ما لا يؤكده أي مصدر رسمي.
يبقى البعد السياسي. فوصول مقاتلة روسية من الجيل الخامس إلى شمال إفريقيا إشارة لا تستطيع الرباط تجاهلها في تخطيطها لقدراتها الجوية المقبلة. والمنافسة بين الجارين، التي يغذّيها ملف الصحراء، تدفع منذ سنوات سباق تسلح، ويُقرأ كل اقتناء من جانب على الفور من الجانب الآخر.
تحديث جارٍ بالفعل
لا يتناول المغرب هذا الملف انطلاقًا من الصفر. فأسطول إف-16 لديه قيد التحديث، وقد وافقت واشنطن سنة 2019 على بيع مقاتلات إف-16 من أحدث جيل. يُضاف إلى ذلك برامج التدريب والتمارين المشتركة التي عززت قابلية التشغيل المتبادل مع القوات الأمريكية. كما طوّرت المملكة شراكة صناعية وتكنولوجية مع إسرائيل، لا سيما في الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع.
وستندرج إف-35 المغربية ضمن هذا المسار. لكنها ستتطلب قفزة كبيرة في الكفاءات في الصيانة وتأمين المنشآت وتكوين الأطقم وحماية البيانات، تحت نظر واشنطن الدقيق. وتعطي القدرة التشغيلية الكاملة، التي تحدد بعض المصادر موعدها حول 2035، فكرة عن ذلك.
حجج المتشككين
لا يرى كل المحللين في هذا التوجه أمرًا بديهيًا. وتتكرر ثلاثة انتقادات:
- الكلفة. عقد بهذا الحجم يثقل ميزانية الدفاع، وتشتهر إف-35 بارتفاع كلفة تشغيلها وصيانتها على المدى الطويل.
- التبعية. تفترض الطائرة مستوى من الرقابة الأمريكية على الصيانة والبرمجيات والاستخدام، يحدّ من استقلالية مستخدمها.
- التصعيد. قد يُسرّع اقتناء مغربي سباق التسلح في شمال إفريقيا بدل أن يحقق الاستقرار.
لا تُبطل هذه التحفظات المسعى، لكنها تذكّر بأن إف-35 التزام طويل الأمد بقدر ما هي تجهيز.
ما أخلص إليه
يملك المغرب عدة أوراق: علاقة عسكرية متينة مع الولايات المتحدة، وشراكة مع إسرائيل، وعقودًا من التعاون مع الهياكل العسكرية الغربية، وتحديثًا لقواته جعل الدفاع ركيزة في صلته بواشنطن. وينزع الانفتاح الممنوح للرياض حجة من الذين كانوا يرون الاستثناء مستحيلًا.
لكن الحدّ الفاصل بين الطموح والقرار يظل واضحًا. فالرباط لم تحصل على ترخيص أمريكي، وستضطر أي صفقة إلى اجتياز المراحل السياسية والإدارية الأمريكية المعنية، بدءًا من احتمال المرور عبر الكونغرس. وسيعطي مصير الصفقة السعودية في الأسابيع المقبلة مؤشرًا أول على متانة هذا الخط الجديد. فالسؤال الحقيقي لم يعد هل يمكن لدولة عربية الوصول إلى إف-35، بل أي الشركاء سيستوفون الشروط السياسية والأمنية لذلك.
أسئلة شائعة
هل اشترى المغرب مقاتلات إف-35؟
لا. لم يُعلن أي ترخيص أمريكي للمغرب. الأرقام المتداولة، أي 32 طائرة مقابل 17 إلى 18 مليار دولار، مصدرها وسائل إعلام متخصصة ولم تؤكدها أي من الحكومتين.
ماذا قررت واشنطن بشأن السعودية؟
أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس، في 17 سبتمبر، ببيع محتمل لـ 48 مقاتلة إف-35 إيه بقيمة 24.3 مليار دولار. يملك الكونغرس ثلاثين يومًا لدراسته، والصفقة لم تُبرم بعد.
لماذا تُعدّ إسرائيل مهمة في هذا الملف؟
تقول الولايات المتحدة إنها تريد الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة. وبحسب وسائل إعلام متخصصة، لن تعارض تل أبيب بيعًا للمغرب، لكن لا موقف رسميًا يدعم ذلك.
أين تقف الجزائر بشأن سو-57 إي؟
لن تتوفر في الوقت الحالي إلا على مقاتلتين من هذا الطراز، بخيارات محدودة. فقد أعلنت الشركة الروسية المصنّعة في نوفمبر 2025 تسليم طائرتين إلى زبون لم تسمّه، حُدّد على نطاق واسع بأنه الجزائر، التي لم تصدر أي تواصل رسمي.