من النادر أن يبدأ رجل أعمال من الصف الأول حديثه بسرد إخفاقاته. أمام جمهور من قادة المقاولات اجتمعوا بمقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM)، فعل مولاي حفيظ العلمي ذلك تماماً، بروح مرحة وبلا تحفّظ. وهو الرئيس السابق للاتحاد ووزير الصناعة والتجارة السابق، وقد عرض عشر توصيات استخلصها، على حد قوله، مما عاشه «على حسابه الخاص». توقفتُ عند هذا اللقاء الذي دام نحو ثلاثين دقيقة، لأنه يكشف شيئاً عن الكيفية التي يفكر بها جزء من الأوساط الاقتصادية المغربية في تحوّلها اليوم.
لماذا يهمّ هذا الخطاب
يسعى المغرب إلى إفراز مجموعات قادرة على منافسة الكبار على الصعيد الدولي، في سياق تعيد فيه الأتمتة والذكاء الاصطناعي رسم خريطة المناولة. ومسار المتحدث يمنح كلامه وزناً: فهو يؤكد أنه أسّس في المغرب نشاطاً لمراكز الاتصال تحوّل إلى «ماجوريل» (Majorel)، ثم أُدرج في بورصة أمستردام، قبل أن يندمج مع «تيليبيرفورمانس» (Teleperformance)، المجموعة التي يقدّم نفسه رئيساً لها. والأرقام التي ذكرها من المنصة ضخمة: أكثر من 490 ألف موظف، ما يجعل المجموعة، بحسبه، ثامن مشغّل في العالم، ورقم معاملات يتراوح بين 120 و130 مليار درهم، وتدفقاً نقدياً حراً يناهز 10 مليارات درهم. وهذه أرقام صادرة عن المتحدث نفسه، ويجب مقارنتها بما تنشره المجموعة.
ومع ذلك، فقيمة الخطاب لا تكمن في هذه الأرقام بقدر ما تكمن في إطار القراءة الذي يقترحه، والمنظَّم في ثلاث عائلات: الأسس، ثم الاستراتيجية والمعنى، ثم الأشخاص والقيم.
الفعل أم التخبّط، الجرأة أم التهوّر
يستهل المتحدث كلامه بتمييز يراه جوهرياً. فالفعل، كما يقول، هو تنفيذ استراتيجية مدروسة، أما التخبّط فهو تنفيذ فكرة لم تنضج بعد. وبالمثل، الجرأة ليست تهوّراً. ويستشهد بفكرة تُنسب إلى جيف بيزوس، مفادها أن القرار ينبغي أن يُتخذ بنحو 70 % من المعلومات المفيدة، لأن انتظار 90 % أو 100 % يعني اتخاذه بعد فوات الأوان. أما التهوّر فهو اتخاذ القرار بسرعة مع وهم الإصابة.
كما يحذّر من نصيحة شائعة هي «عِش شغفك». ورسالته معاكسة: ينبغي أن نُقدم على المقاولة بشغف، لكن حبّ قطاع ما لا يكفي للنجاح فيه.
التوصيات العشر
فيما يلي القواعد التي تقوم عليها كلمته، كما أعيد تركيبها انطلاقاً من اللقاء:
- أن يكون المرء فوق الشبهات في المجالات الضريبية والجمركية والاجتماعية والتنظيمية؛
- أن يحافظ على اتصال مباشر بالزبناء وبالسوق؛
- أن يفكّر بطموح كبير، لكن يبدأ بحجم صغير ليختبر ويصحّح ثم يتسارع؛
- أن يجرؤ على دخول الأسواق الدولية، ولا سيما الناضجة منها؛
- أن ينوّع نشاطه دون تشتّت، فيغيّر متغيراً واحداً في كل مرة؛
- أن يعرف كيف يبيع نشاطاً تجارياً ويغادر قطاعاً؛
- أن يمنح معنى لالتزامه كرائد أعمال؛
- أن يختار شركاء ذوي «حمض نووي» متوافق؛
- أن يحيط نفسه بأشخاص أفضل منه، بما في ذلك بين مزوّدي الخدمات؛
- أن يُعدّ لاستمرارية المقاولة بعد مؤسسها.
شرط أن يكون المرء فوق الشبهات
هذه هي القاعدة الأولى، وهي الأكثر تفصيلاً. وحجته عملية في المقام الأول: فرائد الأعمال الناجح يثير الحسد، و«ثغرة واحدة» تكفي خصومه. ويروي حكاية يابانية عن رئيس شركة لصناعة السيارات كانت جدّته تنصحه بشراء سترة واقية من الرصاص بعد كل ترقية، ليخلص إلى أن الحسد ليس خاصية مغربية.
وتزداد الحجة ملموسية حين يتحدث عن إدراج «ماجوريل» في البورصة. فبحسبه، فحصت الأبناك والمحامون المكلّفون الشركة ومسيّرها بدقة متناهية، بما في ذلك ما نُشر عنه في الصحافة، لأن لكل منهم سمعة يحميها. ومن هنا توصيته بإعداد ملفات مرتبة منذ وقت مبكر، قادرة على الإجابة عن أسئلة لا يمكن تخيّلها اليوم. وهذا المنطق في الامتثال الوقائي معروف جيداً في العمليات المالية الدولية، وإن صاغه المتحدث هنا بأسلوب شخصي جداً.
استطراد حول الإدارة
تقوده هذه القاعدة إلى استطراد حول تجربته في الحكومة. فهو يحكي أنه وجد وزارة «متصلّبة»، يُفضَّل فيها رفض الطلب على المخاطرة بتبرير ترخيص ممنوح أمام المجلس الأعلى للحسابات بعد سنوات. ويقول إنه عرض على معاونيه أن يتحمّل هو شخصياً مسؤولية التوقيعات، شرط أن تكون الملفات مُعدّة إعداداً سليماً، ويؤكد أن هذه الممارسة صارت بعد ذلك أكثر طبيعية.
هذه شهادة فاعل في الأحداث، وينبغي أن تُقرأ على هذا الأساس. غير أنها تشير إلى مشكلة حقيقية موثّقة في إدارات عديدة: فالخوف من المراقبة اللاحقة قد يغذّي الجمود. أما وجهة نظر الوظيفة العمومية في هذه المسألة، فلم تكن ممثَّلة في القاعة بطبيعة الحال.
التفكير بطموح كبير والبدء بحجم صغير
تستند القاعدة الثالثة إلى ثلاث تجارب، اثنتان منها إخفاقان يعترف بهما. الأولى مشروع لتجميع شركات معلوماتية أراد تحويلها إلى رائدة على صعيد إفريقيا. ويرى أنه أطلقه «قبل أوانه»، دون دراسة كافية للسوق. والثانية قطب يجمع التأمين والأبناك والصحة، استوحاه من نموذج رآه في البرتغال، ولم يُكتب له النجاح في المغرب لأن السياق المحلي لم يُدرس، في رأيه، بما يكفي.
وفي مقابل هذين الجدارين، يضع نشاطاً لمراكز الاتصال أُسّس برأسمال ذاتي قدره مليونا درهم، مدعوماً بقليل من القروض البنكية. في البداية، كما يقول، لم يكن الفريق الذي وُظِّف يلبّي الحاجة: فاستغنى عن نحو سبعين شخصاً (رقم 70 هو رقم المتحدث) قبل أن يعيد البناء حول نواة صغيرة. والرسالة هنا من كلاسيكيات أدبيات المقاولة، أي الاختبار على نطاق ضيق قبل التوسّع. ويجسّدها هنا مثال يتناقض فيه الحجم النهائي مع تواضع البداية.
التوجّه نحو الخارج والتنويع بمنهجية
فيما يخص التدويل، حجته أن الأسواق الخارجية «مُكوِّنة»: فالمنافسة فيها أشدّ، ورائد الأعمال الذي ينجح فيها يعود أقوى. ويدعو إلى رواد أعمال مغاربة قادرين على المنافسة في الخارج «دون عُقد».
وتحذيره بشأن التنويع هو على الأرجح الأكثر فائدة لقادة المجموعات العائلية: فتغيير البلد والمهنة والشريك في آن واحد يعادل، على حد تعبيره، تغيير جميع قوائم الكرسي. ويوصي بتغيير معيار واحد في كل مرة، إما البلد مع الإبقاء على المهنة، وإما المهنة مع الإبقاء على البلد.
معرفة متى نبيع ومتى نغادر
المقطع الأكثر حسماً يتناول بيع المقاولات. فهو يأخذ على بعض رواد الأعمال المغاربة رفضهم المبدئي بيع أنشطتهم باسم الإرث العائلي. وجوابه: ربما كان المؤسِّس سيبيع في الوقت المناسب، مثلما كان على مسؤولي «كوداك» أن يفعلوا قبل إعلان الإفلاس، والبيع «ليس خيانة». ويستشهد بقول مأثور مفاده أن ما لا يُباع ولا يُشترى فيه إشكال.
ويصطدم هذا الموقف بواقع ثقافي واقتصادي: ففي كثير من المجموعات العائلية، تشكّل استمرارية المقاولة جزءاً من هوية العائلة. والمتحدث ليس غافلاً عن ذلك، لكنه يقابله بضرورة الوضوح مع الذات، خاصة وأنه، كما يقول، لا يتعلق «بالأشياء» بل بالأشخاص.
أثرياء، لكن أخلاقيون
انسجاماً مع ماضيه على رأس الاتحاد، يدافع عن موقف واضح: ينبغي ألا تطلب الدولة من أرباب العمل سوى الأخلاق، أي أداء الضرائب والعناية بالأجراء وأداء الاشتراكات، وأن تتركهم بعد ذلك يقاولون. ويذكّر بأنه صرّح برغبته في أرباب عمل أثرياء، ويروي رد فعل بريس أورتفو، وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، خلال حفل منحه وسام جوقة الشرف، إذ أعرب عن انزعاجه من هذه الفكرة. وردّه حجة ضريبية: كلما ازداد رواد الأعمال ثراءً مع أدائهم لضرائبهم، ازدادت الموارد التي تملك الدولة توزيعها.
الموضوع خلافي، ويمكن أن تُقابَل بقراءات أخرى: قراءة الاقتصاديين القلقين من تركّز الثروة، أو قراءة أنصار نظام ضريبي أكثر إعادة للتوزيع. أما عبارة المتحدث عن «توزيع الفقر» فهي أقرب إلى بلاغة المنابر منها إلى التحليل.
الشركاء والمعاونون والخلافة
يتناول الثلث الأخير من الخطاب العلاقات الإنسانية. فبخصوص الشركاء، يدعو إلى التحقق من التوافق في الأخلاق والموقف من المخاطرة والإحساس بالزمن، مؤكداً أنه لا يوجد اتفاق بين المساهمين يصلح خلافاً عميقاً. وبخصوص الفِرق، يصف ما يسميه «وسادة عدم الكفاءة»: فالرئيس الذي يقارن راتب مسؤول بأجور مرؤوسيه يدفع ذلك المسؤول إلى إحاطة نفسه بمعاونين أضعف حماية لنفسه. وحلّه، الذي يقول إنه طبّقه في شركاته، هو تقييم كل مسؤول وفق قيمة فِرَقه.
كما يحذّر من آفتين: تعيين الأبناء على رأس المقاولة بحكم المبدأ، والبقاء وفياً بحكم العادة للمستشارين ومزوّدي الخدمات الموروثين عن العائلة. وأخيراً، بخصوص انتقال الثروة، يشكّك في الإحصاءات المتداولة (نحو 5 % من العائلات تحافظ على ثروتها عبر عدة أجيال)، ويقول إنه يبحث عبثاً عن الجيل الثالث الذي نقل رصيداً. وهذه الأرقام ينبغي توثيقها قبل النشر.
تحذير بشأن الذكاء الاصطناعي
يتخذ الختام منحىً أكثر قتامة. يقول المتحدث إنه يخشى على النموذج الصناعي المغربي إن لم تتزوّد البلاد باستراتيجيات جديدة: فمن خلال الجمع بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات، قد يتوقف أصحاب الطلبيات عن نقل أنشطة مثل قطع السيارات إلى الخارج. وهذه ملاحظة يتقاسمها كثير من المحللين، لكن حجمها وجدولها الزمني لا يزالان محل نقاش. وهو يشدّد خصوصاً على رهان أساسي: فبلدان الجنوب لا تملك هامش المناورة نفسه الذي تملكه الاقتصادات المتقدمة لاستيعاب فقدان الوظائف.
ما ينبغي استخلاصه
لا يقدّم هذا الخطاب منهجاً جديداً، لكنه يجمع مبادئ الحَوْكمة والحذر الاستراتيجي والانتقال في كلٍّ متماسك: فالجرأة ليست مقامرة، بل «مخاطرة مقبولة على أسس متينة». ويبقى سؤال مفتوح، يتركه المتحدث عمداً للقاعة: كيف يمكن التوفيق بين ثقافة البيع والتنقّل هذه وتعلّق العائلات بمقاولاتها؟
الأسئلة الشائعة
من هو مولاي حفيظ العلمي؟
رجل أعمال مغربي، رئيس سابق للاتحاد العام لمقاولات المغرب ووزير سابق للصناعة والتجارة. ويقدّم نفسه اليوم رئيساً لمجموعة تيليبيرفورمانس.
ما أبرز التوصيات الواردة في الخطاب؟
أن يكون المرء فوق الشبهات، وأن يظل قريباً من الزبناء، وأن يبدأ بحجم صغير، وأن يجرؤ على التدويل، وأن ينوّع بمنهجية، وأن يعرف كيف يبيع، وأن يحسن اختيار الشركاء، وأن يحيط نفسه بمن هم أفضل منه، وأن يُعدّ للخلافة.
لماذا يلحّ على أن يكون المرء فوق الشبهات؟
لأن أدنى ثغرة ضريبية أو تنظيمية، في رأيه، قد يستغلها الخصوم وتعرقل عمليات النمو، ولا سيما الإدراج في البورصة.
ماذا يقول عن الذكاء الاصطناعي؟
يخشى أن يهدّد المناولة الصناعية في المغرب، ويدعو إلى وضع استراتيجيات جديدة.