ففي عام 2025، بلغت هذه التدفقات نحو 122 مليار درهم، وهو رقم قياسي بحسب بنك المغرب ومكتب الصرف. وخلف هذا الرقم سؤال عملي يشغل ملايين الأسر: كيف يمكن إدخال هذه الأموال إلى المغرب دون الاصطدام بقواعد الصرف، ودون فقدان إمكانية إعادتها إلى الخارج يوماً ما؟ هنا بالتحديد يأتي دور الحساب القابل للتحويل، وهو أداة مصرفية لا يعرفها عموم الناس جيداً، لكنها أصبحت ضرورية لكل من يستثمر أو يدّخر أو يخطط لشراء عقار في المغرب انطلاقاً من الخارج.
والموضوع لا يخص الجالية المغربية وحدها. فالمستثمرون الأجانب، والمتقاعدون المستقرون في المغرب، وحاملو الجنسية المزدوجة، كلهم يصطدمون عاجلاً أم آجلاً بهذه المسألة التقنية. وفي هذا الدليل أستعرض بالترتيب الوثائق التي يجب تجميعها، والمهام الواجب إنجازها، ومراحل مسار فتح الحساب.
لماذا يظل الدرهم عملة خاصة
على خلاف الأورو أو الدولار، لا يُعدّ الدرهم عملة قابلة للتحويل بحرية. وهذه القيود، الموروثة عن سياسة نقدية حذرة تهدف إلى حماية احتياطيات البلاد من العملة الصعبة، تعني أن الحساب البنكي المغربي العادي لا يتيح، من حيث المبدأ، تحويل الأموال إلى الخارج بحرية. وهنا يتدخل مكتب الصرف، وهو الهيئة المكلفة بتنظيم هذه التدفقات عبر نص مرجعي هو التعليمات العامة لعمليات الصرف، التي تخضع لتحيين منتظم، والمعتمدة حالياً في صيغتها المطبقة لسنة 2026.
وللالتفاف على هذه الصرامة دون فتح الباب أمام هروب غير مراقَب لرؤوس الأموال، تنص الأنظمة على فئات حسابات خاصة مخصصة لغير المقيمين والأجانب والمغاربة المقيمين بالخارج. فالمادة 228 من هذه الأنظمة تجيز للبنوك أن تفتح، باسم المغاربة المقيمين بالخارج والأجانب غير المقيمين، حسابات بالعملات الأجنبية وحسابات بالدرهم القابل للتحويل.
ثلاث صيغ وثلاثة استعمالات مختلفة
الحساب بالدرهم القابل للتحويل مسجَّل بالدرهم المغربي، لكنه لا يُغذّى إلا بعملات أجنبية محوَّلة بسعر صرف بنك المغرب. وهو الأكثر انتشاراً، لأنه يسهّل النفقات الجارية داخل المغرب مع الاحتفاظ بإمكانية إعادة تحويل الأموال إلى الخارج.
الحساب بالعملات الأجنبية يظل مسجَّلاً مباشرة باليورو أو الدولار أو أي عملة أجنبية أخرى، دون تحويل تلقائي إلى الدرهم. ويناسب من يريد حماية مدخراته من تقلبات سعر الصرف، ولو على حساب عائد أقل.
الحساب القابل للتحويل لأجل فئة أكثر تحديداً، مخصصة لاستقبال أموال بالدرهم يحتفظ بها في المغرب أشخاص ذاتيون أو معنويون أجانب غير مقيمين، ناتجة عن التفويت أو التصفية لاستثمار أجنبي أُنجز في المغرب. وهي تخص أساساً المستثمرين الذين يصفّون أصلاً مغربياً ويرغبون في تحويل عائداته إلى بلدهم تدريجياً.
من يحق له فتح هذا النوع من الحسابات
البنوك مرخّص لها بفتح حسابات بالعملات الأجنبية وحسابات بالدرهم القابل للتحويل باسم الأشخاص الذاتيين الأجانب، مقيمين كانوا أو غير مقيمين، وكذلك المغاربة المقيمين بالخارج. وبوجه عام، لا يمكن للزوج الأجنبي لمغربي مقيم بالخارج أن يفتح هذا النوع من الحسابات باسمه الشخصي، وعليه اللجوء إلى حساب عادي بالدرهم مع تقديم إثبات للسكن في المغرب. وتحتفظ البنوك بهامش تقدير في دراسة الملفات، خصوصاً فيما يتعلق بإثبات مصدر الأموال.
اللائحة الكاملة للوثائق الواجب تجميعها
تختلف الوثائق المطلوبة قليلاً من بنك إلى آخر، لكن الملف النموذجي يتضمن العناصر التالية.
- وثيقة هوية سارية الصلاحية: جواز سفر بالنسبة للأجنبي غير المقيم؛ وبطاقة التعريف الوطنية المغربية وجواز السفر بالنسبة للمغربي المقيم بالخارج
- بطاقة التسجيل القنصلي، أو أي وثيقة تثبت صفة مغربي مقيم بالخارج، وتسلمها القنصلية مجاناً
- إثبات السكن في بلد الإقامة (فاتورة حديثة، إشعار ضريبي، بطاقة إقامة)
- إثبات الدخل (كشف الراتب، إشعار ضريبي، كشوف حساب بنكية حديثة)
- الهوية البنكية (RIB) للحساب المفتوح في الخارج، اللازمة لإعداد التحويلات الواردة
- استمارة فتح الحساب التي يوفرها البنك، مع تحديد نوع الحساب المطلوب (قابل للتحويل، بالعملات الأجنبية، أو مزدوج)
- نموذج التوقيع، الذي يُنجز عادة في الوكالة، أو عن بعد بواسطة عقد موثَّق أو مصادق عليه قنصلياً بحسب البنك
- إثبات مصدر الأموال، المطلوب خصوصاً عند الإيداع الأول أو عند أي تحويل بمبلغ مهم
- بالنسبة للمستثمر الأجنبي من خارج الجالية، قد تُطلب وثيقة إضافية مرتبطة بالغرض من الحساب (شراء عقار، نشاط مهني) بحسب المؤسسة
وفي حالة المبالغ الكبيرة، كعائدات بيع عقار أو ميراث، غالباً ما تطلب البنوك وثائق إضافية لتتبع مصدر الأموال، في إطار مكافحة غسل الأموال.
لائحة المهام الواجب إنجازها قبل الانطلاق
إلى جانب الوثائق نفسها، هناك عدة خطوات تحضيرية تحدد سرعة معالجة الملف.
- التحقق من وضعيتك لدى القنصلية المغربية والحصول، عند الاقتضاء، على بطاقة التسجيل القنصلي
- تجميع إثباتات الإقامة والدخل في بلد الاستقبال مع الانتباه إلى تواريخ صلاحيتها (بعض البنوك تشترط وثائق لا يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر)
- الاتصال بمصلحة المغاربة المقيمين بالخارج أو غير المقيمين في عدة بنوك مغربية للمقارنة بين الشروط (رسوم مسك الحساب، البطاقة الدولية، خدمات الصرف)
- اختيار نوع الحساب الملائم للاستعمال المقصود: قابل للتحويل لمشروع استثماري قريب، أو بالعملات الأجنبية لادخار غير مستعمل، أو صيغة مزدوجة لاستعمال مختلط
- تحديد قناة الفتح: وكالة في المغرب، أو فرع أوروبي للبنك، أو منصة إلكترونية، أو قنصلية شريكة
- تحضير مصدر الأموال الأولى المزمع تحويلها والاحتفاظ بالوثائق المثبتة لها (وصل الصرف، التصريح الجمركي في حالة السيولة النقدية)
- تجهيز الهوية البنكية للحساب الأجنبي الذي سيغذي الحساب المغربي، فهي ضرورية للتحويلات الواردة
مراحل مسار فتح الحساب
- اختيار البنك ونوع الحساب. مقارنة عروض أبرز البنوك المغربية التي تتعامل مع غير المقيمين، مع الأخذ في الاعتبار الرسوم والخدمات المرتبطة.
- إعداد الملف كاملاً. جمع جميع الوثائق المذكورة أعلاه قبل أي اتصال، لتفادي الذهاب والإياب الذي يطيل الآجال.
- اختيار قناة الفتح. في المغرب داخل وكالة ومعك الملف كاملاً؛ أو عن بعد عبر تطبيق هاتفي أو فرع أوروبي؛ أو عبر قنصلية شريكة.
- إيداع الملف والتوقيع على الاستمارات. بحسب القناة المختارة، يتم التوقيع في الوكالة أو إلكترونياً أو أمام ممثل قنصلي.
- انتظار مصادقة البنك. الفتح عن بعد ممكن عبر الفروع الأوروبية للبنوك المغربية أو عبر التطبيقات على الإنترنت، بآجال تتراوح بين سبعة وخمسة عشر يوم عمل بحسب المؤسسة.
- إجراء أول تحويل أو إيداع. يجب أن تأتي هذه العملية الأولى من الخارج، وأن تُرفق عند الحاجة بإثباتات مصدر الأموال، وهو شرط يفعّل الصفة القابلة للتحويل للحساب.
- تفعيل الخدمات المرتبطة. البطاقة البنكية الدولية، والخدمات المصرفية عبر الإنترنت، ودفتر الشيكات الحامل لعبارة «حساب بالعملات الأجنبية» أو «حساب أجنبي بالدرهم القابل للتحويل»: وتُضبط هذه الخدمات عادة بعد تمويل الحساب.
ما الذي تغيّره قابلية التحويل فعلياً
المبالغ التي تمر عبر هذه الحسابات، ما دامت قادمة فعلاً من الخارج، يمكن إعادة تحويلها وتحويلها من جديد إلى الخارج دون ترخيص مسبق من مكتب الصرف. وهذه ميزة حاسمة لمن يحضّر لشراء عقار أو يدير استثماراً أو يريد الاحتفاظ بهامش مالي مرن بين بلدين. في المقابل، لا يمنح الحساب العادي بالدرهم، المغذّى بمداخيل محلية، هذا الحق.
الأخطاء التي تؤخر الملف أو تعطله
هناك عثرتان تتكرران باستمرار. الأولى الخلط بين الحساب القابل للتحويل والحساب العادي: فالأول وحده يستفيد من نظام حرية إعادة التحويل، وقد يؤدي خطأ بسيط في التوجيه عند الفتح إلى حرمان صاحب الحساب من هذه الميزة دون أن ينتبه إلى ذلك فوراً. والثانية تتعلق بإثبات مصدر الأموال، الذي يُتعامل معه غالباً باستخفاف عند الإيداع الأول، ثم يتحول إلى نقطة تعثر عند طلب تحويل لاحق إلى الخارج.
إطار مرشح للتطور
يحيّن مكتب الصرف تعليماته العامة بانتظام، وقد نُشرت آخر صيغة منها نهاية دجنبر 2025 لتُطبَّق في 2026. وتعكس هذه المراجعات المتتالية توجهاً تدريجياً نحو التخفيف، دون المساس بمبدأ عدم قابلية الدرهم للتحويل ذاته. وبالنسبة لمغاربة العالم كما للمستثمرين الأجانب، فإن السؤال ليس هل سيتغير هذا الإطار، بل بأي وتيرة، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تعزيز جاذبيته المالية دون التخلي كلياً عن مراقبة احتياطياته من العملة الصعبة.
الأسئلة الشائعة
هل يمكن أن يعمل الحساب القابل للتحويل برصيد مدين؟
لا. لا يجوز أن تعمل هذه الحسابات بوضعية مدينة، إلا في استثناء محصور جداً، يخص بعض الشركات المستقرة في مناطق التسريع الصناعي والمستفيدة من خط ائتمان بنكي خاص.
هل يجب أن أكون مغربياً لفتح حساب بالدرهم القابل للتحويل؟
لا. هذا الحساب مفتوح للمغاربة المقيمين بالخارج وللأجانب المقيمين وغير المقيمين على حد سواء، ما يجعله الحل المرجعي للمستثمر الأجنبي الذي لا يملك بطاقة إقامة مغربية.
كم يستغرق الفتح عن بعد؟
بوجه عام بين سبعة وخمسة عشر يوم عمل، بحسب البنك المختار ومدى اكتمال الملف منذ البداية.
هل تحويل الأموال إلى الخارج غير محدود فعلاً؟
نعم، شريطة أن تكون المبالغ قادمة من الخارج وتمر عبر حساب بالعملات الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل؛ أما الحساب العادي بالدرهم المغذّى بمداخيل محلية فلا يمنح هذا الحق.