ببطء لكن بثبات، تدرك إسبانيا حجم ما يتشكل على الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق. الموانئ والزراعة كانتا ملفين معروفين من قبل. لكن ما يتبلور الآن يمس قلب الصناعة الإسبانية: قطاع السيارات. فقد اعتمدت فولكسفاغن خطة إعادة هيكلة قد تعني نهاية علامة “سيات”، الركيزة التاريخية للصناعة الإسبانية، في الوقت الذي فازت فيه المغرب ببناء أول مصنع عملاق للبطاريات الكهربائية في القارة الأفريقية. ملفان، إذا جُمعا، يرسمان تحولاً صناعياً لا تزال مدريد تتردد في تسميته صراحة.
الغرق البطيء لعلامة سيات
وافق مجلس إشراف فولكسفاغن في أواخر أغسطس 2026 على “خطة المستقبل 2030″، وهي خطة تقشف ترفع عدد تخفيضات الوظائف إلى نحو 100 ألف وظيفة خلال خمس سنوات، أي ما يقارب 15% من القوى العاملة العالمية للمجموعة، إلى جانب فائض إنتاجي مقدر بنحو 500 ألف سيارة في أوروبا. وتتضمن هذه الوثيقة، التي كشفت عنها المجلة الألمانية WirtschaftsWoche، قراراً له وزنه بالنسبة لإسبانيا: إذ تبنّت المجموعة خطة تقضي بالإنهاء التدريجي لعلامة “سيات” بحلول نهاية عام 2029، لصالح علامة “كوبرا”.
![]()
والمفارقة واضحة. فـ”سيات” ليست علامة تجارية مفلسة. ففي عام 2025، سجّل كيان “سيات-كوبرا” مجتمعاً رقماً قياسياً تاريخياً، بتسليم 586,300 مركبة. لكن هذا الرقم الإجمالي يخفي فجوة متنامية بين العلامتين. فقد نمت مبيعات كوبرا بنسبة 32.5%، لتصل إلى 328,800 وحدة، بينما تراجعت مبيعات سيات بنسبة 17%، إلى 257,400 مركبة. وحسابات فولفسبورغ بسيطة: كوبرا تبيع طرازي “فورمنتور” و”تيرامار”، بينما تبيع سيات “إيبيزا” و”أرونا”، بهامش ربح أقل بكثير.
ولنطمئن القارئ فوراً: لا يعني الإعلان المتوقع عن اختفاء العلامة إغلاق المصنع. فلا تعتزم فولكسفاغن إغلاق موقع مارتوريل قرب برشلونة، الذي يوظف نحو 12 ألف شخص، إذ سيستمر الإنتاج ببساطة تحت شعار كوبرا. وقد تعهد وزير الاقتصاد الإسباني، كارلوس كويربو، بأن تبذل الحكومة “كل الجهد اللازم” للحفاظ على العلامة، في حين تناقش النقابات سراً بالفعل إمكانية تحالف مع مصنّعين صينيين لتأمين النشاط الصناعي للموقع. وهذه إشارة أولى لما سأتناوله لاحقاً: حين تتراجع أوروبا، تتقدم الصين.
![]()
القنيطرة، المصنع العملاق الذي يعيد خلط الأوراق
بينما تقلّص فولفسبورغ من علاماتها التجارية، وقّع المغرب للتو أحد أكبر الاستثمارات الصناعية في تاريخه الحديث. فمجموعة “غوشن هاي-تك” (Gotion High-Tech)، الصينية الأوروبية، التي تملك فيها فولكسفاغن حصة أقلية تناهز ربع رأس المال، تبني في المنطقة الحرة الأطلسية بالقنيطرة أول مصنع عملاق لبطاريات الليثيوم-حديد-فوسفات في أفريقيا. وتُقدَّر الاستثمارات الإجمالية بـ65 مليار درهم، أي نحو 6.8 مليار دولار، بطاقة إنتاجية أولية تبلغ 20 غيغاواط ساعة، وهدف نهائي يصل إلى 100 غيغاواط ساعة. ومن المتوقع أن تخلق المرحلة الأولى وحدها 17 ألف فرصة عمل، من بينها 2,300 منصب عالي التخصص.
ولم يكن اختيار الموقع وليد الصدفة الجغرافية. فالمغرب يملك نحو 70% من الاحتياطي العالمي من الفوسفات، المادة الأولية لكيمياء بطاريات LFP، كما أن قربه من أوروبا، على بُعد عشرات الكيلومترات فقط من مضيق جبل طارق، يقلّص بشكل ملموس التكاليف والآجال اللوجستية مقارنة بالإنتاج المستورد من آسيا. ويقام المصنع أيضاً وسط نسيج صناعي للسيارات كثيف بالفعل، قرب مصنع رونو في القنيطرة ومصنع ستيلانتيس في طنجة. ومن المرتقب أن يبدأ الإنتاج في صيف 2026، بتمويل مدعوم جزئياً من بنك التنمية الأفريقي.
والمفارقة في القصة: أن فولكسفاغن، عبر حصتها في غوشن، تموّل بشكل غير مباشر المصنع المغربي الذي قد ينتهي به الأمر إلى تزويد نفس المصنّعين الأوروبيين الذين يواجه مصنعها الإسباني صعوبة في تزويدهم.
ساغونتو، رمز التأخر الإسباني
هنا يصبح الملف محرجاً فعلاً بالنسبة لمدريد. فشركة “باور كو” (PowerCo)، الذراع الخاصة بالبطاريات التابعة لفولكسفاغن، تبني في ساغونتو، قرب فالنسيا، “مصنعها العملاق لفالنسيا”، المصمَّم ليكون النظير الإيبيري للموقع الألماني في سالتسغيتر. والمشروع، المصمَّم بطاقة أولية تبلغ 20 غيغاواط ساعة قابلة للتوسع، يعاني تأخراً معتبراً عن جدوله الزمني الأصلي. فقد أُرجئ الإنتاج التجريبي المسبق إلى سبتمبر-أكتوبر 2026، ولن يبدأ الإنتاج بالسلسلة قبل يوليو 2027، في حين كان إطلاق المشروع قد أُعلن في البداية لعام 2026.
كما يتأخر التوظيف أيضاً. فلم يُوظَّف سوى 50 من أصل 500 موظف مطلوبين للإنتاج التجريبي المسبق عند تسرّب هذه المعلومة هذا الصيف. وفي منعطف يلخّص ميزان القوى الصناعي الحالي، كشفت صحيفة La Tribuna de Automoción أن فولكسفاغن وغوشن، وهي نفس المجموعة الصينية التي تبني المصنع العملاق المغربي، تتفاوضان حول دخول الشريك الصيني في رأسمال موقع ساغونتو الإسباني نفسه، تحديداً لتسريع وتيرة مشروع متأخر عن موعده. وتنفي “باور كو” رغبتها في التخلي عن السيطرة على الموقع، لكنها تؤكد وجود محادثات حول شراكات استراتيجية محتملة.
وهكذا تبدو الفجوة الزمنية بين ضفتي المضيق:
- القنيطرة (المغرب، غوشن) توقيع اتفاقية الاستثمار في 2024، بدء الإنتاج متوقع في صيف 2026، طاقة أولية 20 غيغاواط ساعة قابلة للتوسع إلى 100 غيغاواط ساعة
- ساغونتو (إسبانيا، باور كو/فولكسفاغن) إطلاق المشروع في 2023، تأجيل الإنتاج التجريبي المسبق إلى خريف 2026، الإنتاج الواسع غير متوقع قبل يوليو 2027، طاقة أولية 20 غيغاواط ساعة
- سالتسغيتر (ألمانيا، باور كو) مصنع تجريبي يعمل بالفعل، يُستخدم كمرجع لكل من فالنسيا وموقع سانت توماس الكندي المستقبلي
- العمالة في ساغونتو نحو 50 موظفاً تم توظيفهم من أصل 500 مطلوبين للإنتاج التجريبي المسبق، وفق المعطيات المتاحة هذا الصيف
والتباين صارخ. فالمغرب يلتزم بجدوله الزمني في مشروع أُطلق لاحقاً؛ بينما تتراكم التأخيرات في إسبانيا في مشروع أُطلق سابقاً وتدعمه إحدى أكبر شركات صناعة السيارات في العالم.
سياق مألوف بالفعل، الموانئ والزراعة
لم يظهر ملف البطاريات هذا من العدم، بل يندرج ضمن ديناميكية تراقبها إسبانيا منذ نحو خمس عشرة سنة. ففي حركة الحاويات، أنهى ميناء طنجة المتوسط عام 2025 بمعالجة 11.1 مليون حاوية، بزيادة 8.4%، متجاوزاً بذلك مجموع مينائي الجزيرة الخضراء وفالنسيا الإسبانيين. وقد اختارت شركة “ميرسك”، أكبر شركة نقل بحري في العالم، في مطلع 2025 سحب ميناء الجزيرة الخضراء من خط ملاحتها بين الهند والولايات المتحدة لصالح الميناء المغربي. أما في الزراعة، فتغذي منافسة الصادرات المغربية من الفواكه والخضروات إلى أوروبا احتجاجات منتظمة من مزارعي الأندلس. كلا الملفين معروفان. لكن ما يتغير مع صناعة السيارات والبطاريات هو أن الحديث لم يعد يدور حول حصص سوقية هامشية، بل حول أهم سلسلة قيمة صناعية استراتيجية في الاقتصاد الإسباني، تلك التي توظّف مباشرة مئات الآلاف من الأشخاص.
ما تستطيع مدريد فعله بعد
لا شيء محسوم بعد. فاختفاء علامة سيات يبقى خطة داخلية لم تؤكدها فولكسفاغن رسمياً، وقد يضيق الجدول الزمني لساغونتو من جديد إذا قررت المجموعة الألمانية تخصيص موارد إضافية له. كما تملك الحكومة الإسبانية ورقة ضغط حقيقية: برنامج الدعم العمومي Perte VEC، الذي رافق بالفعل انطلاق مشروع فالنسيا. لكن الإشارة التي يبعثها بداية خريف 2026 واضحة: لم تعد القدرة التنافسية الصناعية تُحسم فقط في بروكسل أو مدريد، بل تُحسم أيضاً على بُعد خمسة عشر كيلومتراً من الساحل الأندلسي، في منطقة حرة مغربية تُحترم فيها الآجال ويتقدم فيها رأس المال الصيني بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.
أسئلة شائعة
هل ستختفي علامة سيات فعلاً بحلول 2029؟
من المتوقع أن تُنهى العلامة التجارية تدريجياً بحلول نهاية 2029 وفق الخطة الداخلية لفولكسفاغن، لكن مصنع مارتوريل سيستمر في العمل لإنتاج طرازات كوبرا.
لماذا اختير المغرب لاستضافة مصنع غوشن العملاق؟
يجمع المغرب بين احتياطي هائل من الفوسفات، وقرب جغرافي من أوروبا، ونسيج صناعي راسخ في مجال السيارات مع رونو وستيلانتيس.
هل سيفتح مصنع ساغونتو العملاق أبوابه فعلاً؟
المشروع لم يُلغَ، لكن جدوله الزمني تأخر عدة أشهر، مع توقّع بدء الإنتاج بالسلسلة الآن في يوليو 2027، واحتمال دخول رأس مال صيني من غوشن.
هل يستفيد التأخر الإسباني مباشرة من المغرب؟
ليس بشكل آلي، فالموقعان يستهدفان أسواقاً مختلفة جزئياً، لكن القنيطرة تلتزم بجدولها الزمني بينما تتراكم التأخيرات في ساغونتو، ما يؤثر على سمعة الموثوقية الصناعية لإسبانيا.