فقد شدّد المغرب بالفعل قانونه الجنائي الانتخابي تجاه المحتويات المزيّفة. وهو يُعدّ في الوقت نفسه نصاً أوسع يهمّ المنصات وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن شأنه توسيع صلاحيات الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا). أعرض هنا مضمون الورشين، وما لا يزال في حاجة إلى تأكيد، وأسباب أهميتهما.
فضاء رقمي أصبح محورياً
لم يعد الموضوع هامشياً. فبحسب الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، بلغ عدد اشتراكات الإنترنت في المغرب 41,08 مليون اشتراك نهاية مارس 2026، منها 38,1 مليون اشتراك في الإنترنت عبر الهاتف المحمول، أي بنسبة انتشار تبلغ 111,54 في المئة. وحين يعتمد هذا الجزء الكبير من السكان على الفضاء الرقمي في الاطلاع على الأخبار والنقاش والتعبئة، تصبح مسألة القواعد المطبّقة على المنصات سياسية واقتصادية ومؤسساتية في آن واحد.
وتزداد أهمية المسألة لأن أدوات صناعة المحتوى صارت في المتناول. فصورة مفبركة أو صوت مقلَّد أو وثيقة مزوّرة يمكن إنتاجها في دقائق، وقد تنتشر أسرع من أي تكذيب. والمشرّع المغربي ليس الوحيد الذي يستخلص النتائج من ذلك، لكنه يفعله ضمن أجندة محددة هي أجندة الاستحقاق الانتخابي.
الشق الانتخابي ساري المفعول
الطبقة الأولى من المنظومة قائمة بالفعل. فالقانون التنظيمي رقم 53.25، المغيّر والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، أدخل مادة جديدة هي المادة 51 مكرر. ووفق ما نقلته الصحافة المغربية، تستهدف هذه المادة بث أقوال أو صور شخص دون موافقته في شكل مونتاج، كما تستهدف نشر أو إعادة نشر أخبار زائفة أو ادعاءات كاذبة أو وثائق مزورة متى استُعملت للمساس بالحياة الخاصة للناخبين والمرشحين أو بسمعتهم. وتشمل كذلك الإشاعات التي من شأنها التشكيك في مصداقية الانتخابات أو شفافيتها.
ويذكر النص صراحةً شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات والأنظمة المعلوماتية المتصلة بالإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي. ومن ثمّ يدخل التزييف العميق (deepfakes) في نطاقه. أما العقوبات المعلنة فتتراوح بين سنتين وخمس سنوات سجناً، مع غرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم.
ويتكامل هذا الشق مع القانون الجنائي، الذي تعاقب فصوله 447-1 إلى 447-3 أصلاً على بث محتويات خاصة أو مونتاجات تشهيرية. وفي قراءة المحللين، فإن ما أضافه القانون التنظيمي 53.25 هو حماية خاصة بالنظام العام الانتخابي. ويؤكد الدليل العملي الصادر عن رئاسة النيابة العامة بشأن الجرائم الانتخابية هذا التوجه، إذ بات منع نشر الإعلانات أو النتائج خلال الفترات الممنوعة قانوناً يشمل الوسائل الرقمية أيضاً.
ولم تمرّ النقاشات البرلمانية دون جدل. فبحسب موقع «لو غيد دو ماروك»، أثارت صياغة المادة 51 مكرر نقاشات حادة حول حرية التعبير، واعتُمدت إعادة صياغة لتهدئة المخاوف. وهي نقطة تستحق الاحتفاظ بها في الذهن لما سيأتي.
اختبار أول في ظروف واقعية
لقد شكّلت الحملة الانتخابية ميداناً للتجريب. فالتقرير المشترك لمركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والمنتدى المدني الديمقراطي المغربي، الذي نُشر في 24 شتنبر، يصف حملة هادئة في الميدان لكنها مكثفة على الإنترنت. ويلاحظ أن المخالفات التقليدية لم تختفِ، من مال وهدايا ودعاية في أماكن ممنوعة. وتُضاف إليها مخالفات رقمية، مثل الأخبار الزائفة والتشهير والمحتويات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وقد سجّلت النيابة العامة شكايات بهذا الشأن خلال شهر شتنبر.
ويذكر التقرير نفسه مستجدات قانونية أخرى، منها تسقيف النفقات الرقمية، والتصريح المسبق بالمنصات الرقمية المستعملة، والإشعار بالمحتويات المنتَجة بالذكاء الاصطناعي. ومن جهة أخرى، ترى «لوماتان» في وضع المرشحات مثالاً على هذه المخاطر، إذ كنّ في مقدمة المستهدفات بصور مفبركة وإهانات وحملات تشويه.
ولا تتوفر لدي، في هذه المرحلة، حصيلة رقمية للمتابعات المنجزة ولا أحكام قضائية. وسيكون ذلك هو الاختبار الحقيقي، فالنص الجنائي يُقاس بطريقة تطبيقه، وخاصة عند الحدّ الفاصل بين النقد السياسي والسخرية والتضليل الموصوف.
الورش الثاني، قانون للمنصات
الطبقة الثانية أكثر طموحاً، وهي ما تزال في طور الإعداد حسب علمي. ففي 14 ماي 2025، عرض وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب مشروع إطار قانوني لتنظيم المنصات الرقمية. وأوضح أن هذا الإطار سيستلهم تشريعات متقدمة، وفي مقدمتها قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي. ودافع عن فكرة السيادة الرقمية وحماية المجتمع، كما تحدث عن وضع حدّ للفراغ التشريعي الذي تستفيد منه بعض المنصات الأجنبية.
أما الخطوط العريضة التي نقلتها الصحافة فهي:
- إلزام كل منصة تستهدف الجمهور المغربي أو تحقق عائدات إعلانية في المغرب بتعيين ممثل قانوني على التراب الوطني؛
- تقارير دورية حول الإشراف على المحتوى: المحتويات المحذوفة وآليات التبليغ وإحصاءات الاستخدام؛
- صلاحية رقابية للهاكا، بما في ذلك على جهات ليس لها مقر في المغرب، مع إمكانية الأمر بسحب المحتويات عند عدم المطابقة؛
- عقوبات في حال الإخلال أو عدم التعاون؛
- شق يتعلق بحماية القاصرين والمراقبة الأبوية؛
- بُعد جبائي، مع التصريح بالعائدات المحققة في المغرب، حسب بعض التقارير.
وأوضح أن هذه العناصر مصدرها تصريحات وزارية ومراجعات صحفية، وليس نصاً نهائياً منشوراً. لذا ينبغي التحقق من المضمون النهائي والجدولة البرلمانية ومدى الصلاحيات الفعلية للهاكا قبل أي استنتاج.
لماذا الهاكا ولماذا الآن
إسناد هذا الدور إلى الهاكا ليس خياراً بديهياً. فالمؤسسة هي تاريخياً منظّم القطاع السمعي البصري. وكانت فكرة توسيع اختصاصاتها إلى الإنترنت قد تداولتها الصحافة منذ 2019، حسب «يابيلادي». ويدافع الوزير اليوم عن أداة قانونية مختلفة، لكنها تسير في الاتجاه نفسه.
ويرتبط التوقيت بعدة عوامل. أولها حماية الأطفال، وقد شدّدت عليها توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دعا خصوصاً إلى تحديد سنّ للرشد الرقمي. وثانيها حجة السيادة، فأمام منصات تُتخذ قرارات الإشراف فيها خارج التراب الوطني، تريد الدولة محاوراً معروفاً. وثالثها الرهان الجبائي والاقتصادي، إذ تستحوذ جهات أجنبية على عائدات إعلانية دون أن تخضع للالتزامات نفسها المفروضة على الفاعلين المحليين.
نقاط التوتر
يسير هذا الورش على خط دقيق، وثلاث مسائل تستحق الانتباه.
الأولى حرية التعبير. فذكرى مشروع القانون 22.20، الذي ظهر سنة 2020 وجرى تجميده سريعاً بعد انتقادات حادة، ما تزال حاضرة. وكان قانونيون قد اعتبروا صلاحيات المراقبة فيه غير متناسبة. وتؤكد الحكومة أنها تسعى إلى توازن بين الحريات الأساسية وحماية الفئات الهشة. ويتوقف الأمر على ترجمة ذلك إلى ضمانات ملموسة، منها تعريفات دقيقة للمحتويات المستهدفة، وسبل للطعن، ورقابة القاضي.
الثانية قابلية التطبيق. فالحصول على تعيين ممثل قانوني شيء، والحصول على إشراف فعلي على المحتوى شيء آخر. وتبيّن التجربة الأوروبية أن هذا النوع من المنظومات يتطلب موارد بشرية وتقنية كبيرة وحواراً مستداماً مع المنصات. ويرى بعض المراقبين، كما نقلت «لوبسيرفاتور»، أن النص قد يكون إطاراً أخلاقياً وتربوياً أكثر منه منظومة عملياتية متكاملة.
الثالثة خطر الانزلاق. فقد اختارت دول إفريقية أخرى مسارات أكثر حدّة. ففي الغابون، أمرت الهيئة العليا للاتصال في فبراير 2026 بتعليق شبكات التواصل الاجتماعي «إلى إشعار آخر». والمقارنة مفيدة، إذ يُبرز المغرب مقاربة تنظيمية مستلهمة من النموذج الأوروبي بدل منطق القطع. ويبقى أن نرى هل سيسير التطبيق على هذا النهج.
ما الذي يتغير بالنسبة لفاعلي الرقمي
بالنسبة إلى المنصات الدولية، فالأفق هو امتثال أكبر: حضور قانوني محلي، وشفافية في الإشراف على المحتوى، وتعاون مع المنظّم. وبالنسبة إلى صنّاع المحتوى والمنابر الإلكترونية وناشري المواقع، سيكون وضوح النص حاسماً. فالقواعد المتعلقة بالإشهار المضلِّل أو المقنَّع، التي ذكرتها الصحافة، ستهمّ كذلك التسويق عبر المؤثرين. أما بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا المغربية، فإطار واضح قد يكون ميزة، شرط ألا يفرض أعباء غير متناسبة على الفاعلين الصغار.
مرحلة وليست خلاصة
يُظهر الإطار الانتخابي أن المغرب اختار المعاقبة الجنائية لأخطر أشكال التلاعب الرقمي. أما مشروع القانون المتعلق بالمنصات، فلا يزال عليه أن يعبر مراحل المسار التشريعي، ومضمونه النهائي غير معروف بعد. وبين ضرورة حماية النقاش العمومي وضرورة الحفاظ على فضاء تعبير منفتح، لا تُحدَّد نقطة التوازن بقرار، بل تُبنى في صياغة النص ثم في ممارسته. وهذه الممارسة هي التي ستبيّن هل يعزز هذا المنعطف الثقة في الفضاء الرقمي المغربي أم يغذي، على العكس، مخاوف جديدة.
أسئلة شائعة
ماذا تنص عليه المادة 51 مكرر من القانون التنظيمي 53.25؟
تعاقب، في الفترة الانتخابية، على بث أخبار زائفة أو إشاعات أو محتويات مزيفة، بما في ذلك عبر الذكاء الاصطناعي، تستهدف ناخبين أو مرشحين أو نزاهة الاقتراع. وتتراوح العقوبات المعلنة بين سنتين وخمس سنوات سجناً وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم.
هل صدر قانون تنظيم شبكات التواصل الاجتماعي؟
على حد علمي، لا. فقد أعلنت الحكومة إعداد إطار قانوني، لكنني لم أعثر على ما يؤكد اعتماده النهائي. ويجب التحقق من مدى تقدمه لدى المصادر الرسمية.
ما دور الهاكا المرتقب؟
بحسب التصريحات الوزارية التي نقلتها الصحافة، قد تراقب المحتويات المبثوثة على المنصات، حتى في غياب مقر لها بالمغرب، وقد تأمر بسحبها عند مخالفة التشريع الوطني.
هل ستشمل الأحكام المنصات الأجنبية؟
نعم. إذ ينص المشروع على أن المنصات التي تستهدف الجمهور المغربي أو تحقق منه عائدات إعلانية تعيّن ممثلاً قانونياً وتنشر تقارير عن الإشراف على المحتوى.