في الوقت الذي يتسارع فيه سعي المغرب إلى تحقيق السيادة الطاقية، خطت شركة «بريداتور أويل آند غاز» (Predator Oil & Gas) المستقلة، التي يوجد مقرها في جيرسي وتُدرج أسهمها في بورصة لندن، خطوة جديدة. ففي 15 أكتوبر الماضي، أعلنت الشركة رسميًا تخصيص 775 ألف جنيه إسترليني لأشغال الاستكشاف والاختبار في حوض كرسيف الواقع في شمال شرق المملكة. وتندرج هذه الميزانية ضمن عملية جمع أموال مشروطة أوسع قيمتها الإجمالية 2.5 مليون جنيه إسترليني، ستدعم أيضًا أصول الشركة في ترينيداد وتوباغو وفي إيرلندا عبر مشروع «كوريب ساوث» (Corrib South).
بصفتي متابعًا لتدفقات الطاقة والديناميات الجيوسياسية في منطقة المتوسط، أرى أن هذا الإعلان العملياتي يعكس إرادة واضحة لتحويل إمكانات المغرب من الغاز البري إلى واقع ملموس. فالرهان يتجاوز إطار بلاغ مالي بسيط: إنه يتعلق بتجميع بيانات تقنية متينة تكفي لإقناع شركاء صناعيين كبار وإبرام اتفاقيات شراكة. بين الحفر الأخير وتقييم الهيليوم وآفاق التسويق المحلي، نقدم قراءة معمقة لاستراتيجية استكشاف عالية القيمة المضافة.
برنامج إنفاق موجّه إلى باطن أرض كرسيف
لم تأتِ الميزانية التي خصصتها «بريداتور أويل آند غاز» لرخصة كرسيف من فراغ. فهي تستجيب لجدول زمني تقني دقيق وُضع بعد آخر أشغال الحفر في الميدان. وتنقسم الميزانية البالغة 775 ألف جنيه إسترليني إلى ثلاثة محاور عملياتية متمايزة لكنها متكاملة:
500 ألف جنيه إسترليني لتغطية التكاليف الإضافية للحفر والاختبارات في البئر MOU-6.
175 ألف جنيه إسترليني مخصصة للتحضيرات الخاصة بتعميق البئر MOU-5.
100 ألف جنيه إسترليني محجوزة لتمويل دراسة تقنية مخصصة لموارد الغاز غير التقليدي.
نتائج واعدة في البئر MOU-6
يأتي هذا التوزيع المالي مباشرة بعد مرحلة تقنية مفصلية. فقد اكتمل حفر البئر MOU-6 حتى عمقه المستهدف البالغ 950 مترًا. وفي نشرة عملياتية صدرت في 14 أكتوبر، أكدت إدارة «بريداتور» أن الأجل الأولي المحدد في 20 يومًا جرى احترامه بالكامل. والأكثر تشجيعًا للفرق الجيولوجية أن البئر اخترق منطقة مستهدفة علوية يبلغ سمكها 21.2 مترًا، متجاوزًا بوضوح 13.2 مترًا رُصدت في البئر المجاور MOU-3. وقد جاءت هذه التركيبة مطابقة للنماذج التي وضعتها الشركة قبل الحفر، مما يؤكد صوابية قراءاتها الجيولوجية الأولية في هذه المنطقة الرسوبية.
وستتيح نتائج الاختبارات الجارية تقييم هذا المقطع بدقة وتعميق الفهم الشامل للحوض. وسيتم الجمع بين هذه البيانات الجديدة والمعلومات التاريخية المجمّعة من البئرين MOU-1 وMOU-3. والهدف المعلن هو إعداد تحديث شامل لتقييم الإمكانات الغازية لمنطقة الرخصة.
آفاق أوسع نحو الهيليوم والتخزين الجوفي
وبعيدًا عن مجرد تثمين الغاز التقليدي للبئر MOU-6، تنوّع «بريداتور أويل آند غاز» آفاقها التقنية في رخصة كرسيف. فالشركة تمتلك حصة أغلبية بنسبة 75 % في هذه الرخصة البرية التي تمتد على مساحة كبيرة تبلغ نحو 4301 كيلومترات مربعة. أما نسبة 25 % المتبقية فتعود إلى المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM). وتجسد هذه الشراكة العمومية الخاصة رغبة الدولة المغربية في التعاون مع فاعلين دوليين ديناميكيين لرسم خريطة معمقة لباطن أرضها.
البحث عن الهيليوم والرهان على الحلول الخفيفة
تعتزم الشركة، في خارطة طريقها، تعميق البئر MOU-5 بما لا يقل عن 640 مترًا إضافيًا. ولهذه الخطوة الاستراتيجية هدف مزدوج: دراسة احتمال وجود الهيليوم، وهو غاز نادر ذو أهمية استراتيجية كبيرة للصناعات المتقدمة والتحول التكنولوجي، والبحث عن الغاز المصاحب. وبالموازاة، تعتزم «بريداتور» تقييم فرص التخزين الجوفي للغاز، وهو بنية تحتية حاسمة لتأمين التزويد الوطني في حال تقلب الأسواق الدولية. وقد جرى تكليف دراسة موجهة تغطي مساحة تصل إلى 120 كيلومترًا مربعًا لدعم هذه الأشغال.
ولتثمين هذه المكامن التي غالبًا ما تكون متواضعة الحجم أو موجودة في جيوب قليلة العمق، تراهن الشركة على حلول مرنة. ويبدو أن استغلال الغاز الطبيعي المضغوط (GNC) أو الغاز الطبيعي المسال (GNL) على نطاق صغير هو المسار الأكثر واقعية لتزويد الصناعات المحلية بالكهرباء أو الطاقة الحرارية بسرعة، دون انتظار بناء أنابيب نقل ضخمة.
الرهانات الجيوسياسية والاقتصادية للسيادة الطاقية المغربية
لفهم أبعاد هذه الاستثمارات في كرسيف فهمًا جيدًا، ينبغي وضعها في السياق الطاقي الأوسع للمملكة الشريفة. فالمغرب يعاني من تبعية تاريخية لواردات المحروقات، وكان عليه في السنوات الأخيرة التعامل مع إعادة تشكل توازنات التزويد الإقليمية. ويشكل توفر موارد غازية وطنية، ولو كانت مجزأة أو مستغلة عبر حلول لامركزية مثل الغاز الطبيعي المسال على نطاق صغير، رافعة كبرى للأمن القومي.
وتندرج المباحثات التي تجريها «بريداتور أويل آند غاز» مع شركاء مغاربة محتملين مباشرة ضمن هذا المنطق الانتقالي. ففي بلاغها حول جمع الأموال، توقعت الإدارة نشر النتائج النهائية للبئر MOU-6 في غضون أسبوعين، مشددة على أن هذه الرؤية الأوضح ينبغي أن تسهّل كثيرًا إبرام مفاوضات الشراكة. وفي هذه المرحلة، لم يُبرم رسميًا أي اتفاق نهائي بعد، لكن تدفق رؤوس الأموال يعكس ثقة المستثمرين في الإمكانات الجيولوجية للحوض.
ومع ذلك، يظل الحذر واجبًا. فالتنقيب عن النفط والغاز ينطوي بطبيعته على مخاطر مالية وتقنية مرتفعة. ويتعين على اختبارات الآبار المبرمجة أن تؤكد لا وجود الغاز بكميات قابلة للاستخراج اقتصاديًا فحسب، بل أيضًا جدوى معدلات إنتاج مستقرة. ولذلك تتابع السلطات المغربية وشركاؤها هذه التطورات عن كثب، إدراكًا منها أن كل نجاح استكشافي يعزز أكثر جاذبية حوض كرسيف على رقعة الطاقة في المتوسط.
وفي الختام، يمثل ضخ هذه الأموال الجديدة من قبل «بريداتور أويل آند غاز» لحظة مفصلية لمشروع كرسيف. فبين تأكيد بيانات البئر MOU-6، والاستكشاف المرتقب للهيليوم عبر البئر MOU-5، والبحث عن حلول تسويق مرنة، يواصل المغرب بمنهجية سعيه إلى الاستقلال الطاقي. وتبدو الأسابيع المقبلة حاسمة لتحويل هذه الوعود الجيولوجية إلى شراكات صناعية ملموسة.
![]()
الأسئلة الشائعة
ما هو المبلغ الإجمالي لعملية جمع الأموال التي أجرتها «بريداتور أويل آند غاز»؟
تبلغ قيمة عملية جمع الأموال المشروطة 2.5 مليون جنيه إسترليني، منها 775 ألف جنيه إسترليني مخصصة تحديدًا لمشاريع الاستكشاف في المغرب.
كيف توزعت الحصص في رخصة كرسيف؟
تمتلك «بريداتور أويل آند غاز» حصة 75 %، بينما يمتلك المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM) النسبة المتبقية البالغة 25 %.
ما الأهداف التقنية الجديدة التي تسعى إليها الشركة في الرخصة؟
تعتزم الشركة تعميق البئر MOU-5 بما لا يقل عن 640 مترًا للبحث عن الهيليوم والغاز، مع تقييم خيارات التخزين الجوفي واستغلال الغاز الطبيعي المسال على نطاق صغير.