لفصل الحقيقة عن المبالغة، يمنح بودكاست حديث الكلمة لأحمد أشّاك، المؤسس المشارك لشركة Qevlar AI، وهي شركة ناشئة تطوّر أدوات ذكاء اصطناعي لمراكز عمليات الأمن في المؤسسات. وجهة نظره هي وجهة نظر طرف يبيع حلاً، ولذلك ينبغي قراءة تصريحاته بالحذر اللازم. ومع ذلك، يُحسب له رفضه للتشاؤم المفرط وللتفاؤل الساذج على حد سواء.
اختلال قديم يزيده الذكاء الاصطناعي حدّة
يبدأ أحمد أشّاك بالتقليل من حجم التغيير، إذ يرى أنه «لا جديد» في جوهر الأمر. فقد قام الأمن السيبراني دائماً على اللاتماثل. يكفي المهاجم ثغرة واحدة، بينما على المدافع أن يغلقها جميعاً. لا يكترث المهاجم بالقوانين ولا بقيود التنظيم، في حين يتعيّن على الدفاع التعامل مع الميزانيات والإجراءات واللوائح. وقد يكلّف فارق زمني، ولو بضعة أشهر، بين أسلوب هجوم جديد والرد عليه ثمناً باهظاً.
أما ما يتغيّر، بحسب رائد الأعمال، فهو السرعة. فالذكاء الاصطناعي يخفض الكلفة والوقت اللازمين لتنفيذ عمليات كانت تتطلب في السابق مهارات نادرة أو إمكانات شبه حكومية.
ما الذي يغيّره الذكاء الاصطناعي في جانب الهجوم
يميّز الضيف ثلاثة تطورات.
- الحجم. يمكن لنموذج لغوي أن يساعد في كتابة برمجيات خبيثة، حتى لأشخاص لم يكن لديهم المستوى أو الوقت للقيام بذلك بمفردهم. ويشير إلى نماذج «غير مقيّدة»، مفتوحة المصدر أو متداولة على الويب المظلم، دون أن يفصّل مصادرها.
- التخصيص. يمكن أتمتة التصيّد الاحتيالي (الفيشينغ) من البداية إلى النهاية. يجمع برنامج معلومات عن الهدف، ويصوغ نموذج رسالة مقنعة، ثم يعدّلها بحسب ردود فعل الضحية.
- انتحال الهوية. استنساخ الأصوات ومقاطع الفيديو المفبركة: يروي أنه طلب من والديه الاتصال به إذا تلقّيا فيديو «غريباً» منه، ويفكّر في اعتماد كلمات مرور عائلية لابنه البالغ من العمر عامين.
ويحدّد كذلك تغيّراً أقل ظهوراً في طبيعة التهديد. فمع تزايد استخدام فرق التطوير للذكاء الاصطناعي في كتابة الشيفرة، قد تعتمد الشيفرة الناتجة على مكتبات برمجية ضعيفة، خارج رادار فرق الأمن. ويمكن لمهاجم مزوّد بالذكاء الاصطناعي، من جهته، أن يفحص هذه المكوّنات ويكتشف ثغرة ويُعدّ إثباتاً للمفهوم لاستغلالها قبل أن تعلم المؤسسة بأنها مكشوفة.
موثوس، بين تحذير حقيقي وجرعة من التسويق
في هذا السياق قدّمت أنثروبيك نموذج «موثوس» (Mythos) في الربيع. وتؤكد الشركة أن هذا النموذج حدّد آلاف الثغرات الحرجة في أنظمة التشغيل، وأنها قرّرت عدم طرحه للعموم، معتبرةً أنه قد يتيح لغير المتخصصين اكتشاف الثغرات. وقد اقتصر الوصول إليه على عدد محدود من المؤسسات الشريكة.
ويبدي أحمد أشّاك موقفاً متوازناً. فهو يقرّ بأن جهات مثل مايكروسوفت ومؤسسة موزيلا، الناشرة لمتصفح فايرفوكس، طبّقت حجماً من التصحيحات أكبر مما كان عليه الحال سابقاً. لكنه يرى في الأمر «ربما قدراً من التسويق»: فبحسبه، يمثّل جزء من الثغرات المبلَّغ عنها إيجابيات كاذبة، أي ثغرات غير قابلة للاستغلال أو لا يمكن استغلالها إلا في ظروف شديدة الخصوصية. ولا يخلص إلى أن الأمر إنذار كاذب: فهذه الأدوات، رغم عدم كمالها، جعلت البحث عن الثغرات ميداناً أسهل منالاً بكثير مما كان قبل بضع سنوات.
هذه تصريحات لطرف فاعل في القطاع. وهي تستدعي التحقق منها لدى أنثروبيك والناشرين المعنيين، ومن خلال تحليلات مستقلة إن أمكن.
لماذا تُظهر الدفاعات الحالية حدودها
في قلب منظومة الدفاع لدى المؤسسات الكبرى يقع مركز عمليات الأمن (SOC، أي security operations center)، وهو مركز يعالج فيه المحللون التنبيهات الصادرة عن أدوات الكشف. والتنبيه هو اشتباه: رسالة مريبة، أو سلوك غير طبيعي على جهاز، أو اتصال يبدو مستحيلاً جغرافياً، كأن يأتي من إسبانيا ثم من الصين بفارق دقائق قليلة.
ويصف المؤسس نظاماً مثقلاً. فالمحللون يتلقّون مئات التنبيهات ولا يعالجون منها سوى نحو عشرين يومياً، ما يجبرهم على ترتيب الأولويات. ويذكر الإنهاك المهني والاستقالات كنتيجتين مباشرتين. والخطر أن تُهمَل إشارة ضعيفة غارقة في الضجيج رغم أنها كانت تنذر بهجوم. ويشبّه الوضع بشخص وحيد أمام أربعمئة كاميرا مراقبة، لم تلتقط سوى واحدة منها اللص.
ولكل من الحلول التقليدية عيب. فتوظيف المزيد من الأشخاص لا يواكب نمو التنبيهات، وكلفته مرتفعة. أما الأتمتة عبر «السيناريوهات الجاهزة» (playbooks)، أي سيناريوهات ثابتة من نوع «إذا حدث (أ) فافعل (ب)»، فهي جامدة: يجب إعادة كتابتها مع كل شكل جديد من الهجمات، ويمكن لمهاجم صبور أن يستنتج طريقة عملها بمجرد اختبارها.
رهان Qevlar AI، ذكاء اصطناعي لا يقتصر على النماذج اللغوية الكبيرة
على هذا الأساس بنت Qevlar AI منتجها، وهي شركة تأسست عام 2023 على يد أحمد أشّاك وحمزة، الذي تعرّف عليه في مدرسة سنترال. ووعدها هو محاكاة عمل التحقيق الذي يقوم به المحلل، دون سيناريو مكتوب مسبقاً، عبر التحقيق في كل تنبيه والتكيّف مع طبيعته.
وأكثر ما يستحق التوقف عنده في المقابلة هو النقد الموجّه إلى النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) في الأمن السيبراني. فهي تعمل عبر أخذ عينات يُدخل قدراً من العشوائية، وهو أمر مفيد لتوليد النصوص لكنه مشكلة عندما يُنتظر قرار قابل للتكرار. ويستشهد رائد الأعمال بتجربة عُرضت في مؤتمر «بلاك هات» (Black Hat) عام 2025: مئة تحقيق أُعيد تشغيل كل منها مئة مرة، مع نموذج لغوي كبير بدلاً من محرك التحقيق الخاص بشركته. وبحسبه، ففي مواجهة التنبيه نفسه وبالظروف نفسها، خلص النموذج إلى أن النشاط خبيث في نحو 30% من الحالات، وإلى العكس في نحو 50%، وامتنع عن الحسم في النسبة المتبقية البالغة 20%. هذه الأرقام صادرة عن الشركة، ويجدر مقارنتها بالنشر الأصلي.
وتقوم بنيته التقنية إذن على «ذكاء اصطناعي على الرسوم البيانية» (graph AI)، وهي خوارزمية تعلّم آلي أكثر كلاسيكية تقرر الخطوة التالية في التحقيق. ثم تستعين بعملاء متخصصين، من بينهم نماذج لغوية كبيرة، في المهام التي تتفوق فيها، مثل التحليل الدلالي لمحتوى البريد الإلكتروني. والهدف نظام قابل للتفسير، يمكن تتبّع قراراته، وحتمي، أي يعطي الجواب نفسه عن السؤال نفسه. وبالنسبة لأحمد أشّاك، الثقة شرط الاستقلالية، وتهدف الأداة إلى تعزيز قدرات المحللين لا إلى استبدالهم.
أرقام ينبغي التعامل معها بحذر
يقدّم الضيف عدة معطيات عن نشاط الشركة، تُنقل هنا كما عرضها.
- جولات التمويل: نحو 44 مليون يورو في المجموع، على ثلاث جولات، مع إغلاق الجولة الأخيرة في مطلع عام 2026.
- النطاق: نحو 1500 جهة محمية عبر العالم، بعضها من خلال مزوّدي خدمات الأمن المُدارة (MSSP) الذين ينشرون الأداة لصالح عملائهم.
- الأداء: معالجة التنبيهات في خمس دقائق مقابل أربعين دقيقة في المتوسط، بدقة تحقيق تفوق دقة البشر بحسب اختبارات مقارنة.
- العملاء: مجموعات أوروبية كبرى ومزوّدو خدمات الأمن السيبراني.
ولم يكشف عن إيراداته. أما مقارنات الأداء، وهي صادرة عن الشركة المزوّدة، فتحتاج إلى تأكيد من تقييمات أطراف ثالثة.
رؤية أكثر تفاؤلاً من الخطاب السائد
في ختام المقابلة، يقدّم أحمد أشّاك قراءة أكثر توازناً من الخطاب السائد. فهو يستحضر التاريخ: يرى أن الانتقال من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي أتاح الوصول إلى القوة لعدد أكبر من الناس وأضعف الإمبراطوريات. وبرأيه، يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً مماثلاً. فهو يزيد من التهديد الهجومي، لكنه يمنح الدفاع أيضاً ما كان ينقصه، أي القدرة على معالجة حجم هائل من الإشارات بسرعة تقارب سرعة المهاجم. وبذلك قد يتقلّص اللاتماثل التاريخي: ثغرة واحدة في مقابل ألف باب يجب حراستها.
هذه الأطروحة جذابة، لكنها لا تزال بحاجة إلى إثبات. فهي تفترض أن يتبنى المدافعون هذه الأدوات بالسرعة نفسها التي يتبناها المهاجمون، وهو ما لا يضمنه اللاتماثل الموصوف أعلاه. كما تفترض أن تمتد رؤية الفرق لتشمل المحيط الرقمي بأكمله، بما في ذلك الثغرات البرمجية والهويات، وهي أمور لا يراها مركز عمليات الأمن التقليدي دائماً. وهذا هو التحدي المقبل الذي يحدده المؤسس لشركته، إلى جانب التوسع الجغرافي ونشر الحلول داخل منشآت العملاء الحساسين، كالإدارات الحكومية والقطاع الدفاعي.
فالسؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يفاقم المشكلة أم يحلّها، بل من سيستفيد منه بأكبر قدر من الفعالية. وستعتمد الإجابة على التكنولوجيا أقل مما تعتمد على سرعة نشر المؤسسات لها وثقتها بها.
الأسئلة الشائعة
هل زاد الذكاء الاصطناعي فعلاً من عدد الهجمات السيبرانية؟
يرى أحمد أشّاك أنه يسهّل هجمات واسعة النطاق وأكثر إقناعاً. وهذا الادعاء يحتاج إلى التحقق منه ببيانات مستقلة، مثل بيانات الوكالات الوطنية للأمن السيبراني.
لماذا لم تطرح أنثروبيك نموذج موثوس للعموم؟
بحسب الشركة، قد يتيح النموذج لغير الخبراء العثور على ثغرات. والوصول إليه مقتصر على عدد صغير من المؤسسات الشريكة.
ما هو مركز عمليات الأمن (SOC)؟
هو مركز لعمليات الأمن يفحص فيه المحللون تنبيهات المؤسسة لتحديد ما إذا كانت تشير إلى هجوم حقيقي.
لماذا لا نوكل التحقيق إلى نموذج لغوي كبير وحده؟
لأن هذه النماذج تتضمن قدراً من العشوائية وقد تعطي إجابات مختلفة عن التنبيه نفسه، ما يصعّب الوثوق بقرار آلي.