وقد استقطبت المظاهرة الرئيسية المؤيدة للاستقلال بمناسبة «الديادا» في 11 سبتمبر نحو 45 ألف شخص في برشلونة، وفقاً لشرطة المدينة، مقابل «أكثر من 100 ألف» بحسب المنظمين. وهذا التباين ليس جديداً على الإطلاق؛ فمنذ سنوات، تتهم حركة الاستقلال السلطات المحلية بالتقليل بشكل منهجي من أعداد المشاركين، معتبرة أن الأرقام الرسمية تقلل عاماً بعد عام من الحجم الحقيقي للتعبئة بهدف الحد من وزنها السياسي.
لكن على أرض الواقع، كانت الساحة تتحدث عن نفسها: فبعد انتهاء الكلمات، صعد عدد من النشطاء الملثمين إلى المنصة وأحرقوا العلم الإسباني وسط هتافات الحاضرين. وكان ذلك مشهداً رمزياً وحاسماً في آن واحد، يعكس الغضب المستمر لدى جيل لم يعرف من الدولة الإسبانية سوى الملاحقات القضائية التي طالت قادة الجيل السابق.
جرح لم تستوعبه مدريد أبداً
من الضروري تذكّر نقطة البداية. ففي 1 أكتوبر 2017، تحدى مئات الآلاف من الكتالونيين الحظر القضائي وتوجهوا إلى صناديق الاقتراع. وقد أثارت حملة القمع التي قامت بها الشرطة، والتي تم تصويرها وبثها في مختلف أنحاء العالم، صدمة حتى لدى الأوساط الأكثر اعتدالاً.
وفي 27 أكتوبر، صوت البرلمان الكتالوني على إعلان الاستقلال، الذي أُقر بأغلبية 70 صوتاً من أصل 135 نائباً.
وكان رد الدولة الإسبانية فورياً وحاسماً: تفعيل المادة 155، والتدخل في الحكم الذاتي لكتالونيا، وسجن عدد من القادة، فيما غادر رئيس الحكومة الإقليمية إلى المنفى. وبعد تسع سنوات، لا يزال ذلك الجرح يطبع ميزان القوى بين برشلونة ومدريد.
فإسبانيا لم تقبل أبداً فكرة إجراء تصويت حر في كتالونيا. لا في عام 2017 ولا اليوم.
وقد كرر بيدرو سانشيز، رغم اعتماده منذ عام 2023 على أصوات الانفصاليين الكتالونيين للبقاء في السلطة، في مناسبات عديدة أن إجراء استفتاء لتقرير المصير يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في ظل دستور عام 1978.
وهذا الموقف موجود أيضاً، بأشكال مختلفة، داخل حزبه نفسه، حيث يخشى كثيرون أن يؤدي تقديم تنازلات في هذا الملف إلى إضعاف البنية الإقليمية بأكملها في إسبانيا، بدءاً من إقليم الباسك.
العفو: انتصار منقوص تصر مدريد على إفراغه من مضمونه
في 16 يوليو 2026، أكدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي توافق قانون العفو الإسباني مع قانون الاتحاد الأوروبي، وهو قرار استُقبل في برشلونة باعتباره اعترافاً ضمنياً بالطابع السياسي، وليس الجنائي، لمسار الاستقلال.
لكن أجواء الاحتفال لم تدم طويلاً.
فالقاضي بابلو يارينا، من المحكمة العليا الإسبانية، يرفض تطبيق قانون العفو على كارلس بوجديمون فيما يتعلق بأفعال الاختلاس، معتبراً أن هناك هدفاً يتمثل في تحقيق منفعة شخصية ذات طابع مالي.
ويُبقي هذا القرار على مذكرة التوقيف سارية في جميع أنحاء الأراضي الإسبانية، ويعرّض الرئيس الكتالوني السابق للاعتقال الفوري في حال عودته إلى إسبانيا.
وفي 20 سبتمبر، بدأت المحكمة الدستورية دراسة الطعون المقدمة ضد هذا التفسير التقييدي، بينما يعتمد مستقبل عودة بوجديمون أيضاً على الخطوات المقبلة التي ستتخذها المحكمة العليا الإسبانية.
وبالنسبة إلى جزء كبير من المجتمع الكتالوني، فإن هذه المعركة القضائية التي تبدو بلا نهاية تجسد تحديداً ما يندد به منذ سنوات: قضاء إسباني يمنح نفسه الحق في إفراغ قانون أقره البرلمان من مضمونه، من خلال تفسير متزايد التشدد لنص القانون.
وبعد تسع سنوات على الأحداث، لا يزال أحد أبرز مهندسي المسار الديمقراطي لعام 2017 رجلاً مطلوباً من قبل القضاء الإسباني.
ما الذي يجب معرفته؟
- 11 سبتمبر 2026: أكثر من 100 ألف متظاهر وفقاً لمنظمي مسيرات «الديادا» في برشلونة، مقابل أقل من نصف هذا العدد وفقاً للسلطات المحلية.
- 16 يوليو 2026: محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي تؤكد توافق قانون العفو مع القانون الأوروبي.
- 20 سبتمبر 2026: المحكمة الدستورية تبدأ دراسة الطعون المتعلقة بقانون العفو.
- لا يزال كارلس بوجديمون خاضعاً لمذكرة توقيف في إسبانيا رغم قانون العفو.
ما الذي تخشاه مدريد فعلاً؟
إن ما يثير قلق المؤسسة السياسية الإسبانية فعلياً ليس فقط ميزان القوى الانتخابي المباشر، بل خطر خلق سابقة.
فمنح كتالونيا حق إجراء استفتاء، حتى لو كان استشارياً فقط، قد يفتح الباب أمام أقاليم أخرى، وعلى رأسها إقليم الباسك، للمطالبة بالحق نفسه.
وهناك أيضاً مصدر قلق أكثر واقعية: فكتالونيا تمثل وحدها نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي الإسباني. وأي احتمال لحدوث قطيعة مؤسساتية، حتى لو بقي افتراضياً، يعيد إلى الأذهان نقل مقرات الشركات الذي شهدته إسبانيا عام 2017.
وتستخدم مدريد هذه الحجة بشكل متكرر لردع أي تقدم في هذا الملف، ولو كان ذلك على حساب نقاش ديمقراطي، من خلال التركيز على المخاوف الاقتصادية بدلاً من خوض النقاش السياسي.
وأخيراً، هناك هشاشة الأغلبية البرلمانية لبيدرو سانشيز، الذي يعتمد على أغلبية لا تزال قائمة بفضل دعم النواب الكتالونيين المؤيدين للاستقلال، وهو دعم أصبح أكثر توتراً.
فكل تنازل في هذا الملف يعرّض الحكومة الاشتراكية لهجمات من اليمين واليمين المتطرف، اللذين يتهمان سانشيز منذ سنوات بالتفريط في وحدة البلاد.
وهذه التركيبة من المخاوف — القانونية والاقتصادية والسياسية — هي التي تفسر إصرار مدريد على معالجة القضية الكتالونية عبر المحاكم بدلاً من صناديق الاقتراع، مفضلةً تحويل قضية سياسية إلى مسألة قضائية، بينما يرى كثيرون في برشلونة أنها يجب أن تُحسم فقط من خلال التصويت الشعبي.
قضية ترفض أن تنطفئ
لقد بعث الشارع الكتالوني في 11 سبتمبر برسالة لم يعد بإمكان مدريد تجاهلها: بعد سنوات من التراجع، يعيد جيل جديد تبني القضية، ولكن وفق أولوياته الخاصة — السكن، واللغة، والخدمات العامة — وبغضب لم يتراجع تجاه دولة لا تزال تلاحق قضائياً أولئك الذين أرادوا في عام 2017، ببساطة، أن يصوتوا.
وسواء تم اعتماد رقم الـ45 ألفاً الذي ذكرته الشرطة أو أكثر من 100 ألف الذي أعلن عنه المنظمون، فإن الدينامية واضحة: التعبئة في الشارع ارتفعت بشكل كبير خلال عام واحد.
ويبقى السؤال: هل ستقرر مدريد يوماً الاستماع إلى هذا المطلب بدلاً من مواصلة مواجهته عبر القضاء؟
![]()
الأسئلة الشائعة
كم بلغ عدد المشاركين فعلياً في مظاهرات «الديادا» عام 2026؟
تختلف الأرقام بشكل كبير. فقد قدرت شرطة برشلونة العدد بنحو 45 ألف شخص، بينما أكد المنظمون، أي الجمعية الوطنية الكتالونية (ANC)، مشاركة أكثر من 100 ألف شخص في المدن الثلاث التي شهدت التعبئة.
هل يستطيع كارلس بوجديمون العودة إلى إسبانيا اليوم؟
لا. فعلى الرغم من التوافق الأوروبي على قانون العفو، لا تزال المحكمة العليا الإسبانية ترفض تطبيقه على بوجديمون فيما يتعلق بقضايا الاختلاس، كما لا تزال مذكرة التوقيف الوطنية سارية المفعول.
لماذا ترفض إسبانيا حتى إجراء استفتاء استشاري؟
تخشى مدريد من أن يشكل ذلك سابقة يمكن لأقاليم أخرى، مثل إقليم الباسك، الاستناد إليها، إضافة إلى المخاطر الاقتصادية المحتملة والتأثير على الأغلبية البرلمانية لبيدرو سانشيز، التي تعتمد على أصوات النواب الكتالونيين المؤيدين للاستقلال.
هل يزداد الدعم للاستقلال فعلاً في كتالونيا؟
إن عودة التعبئة في الشارع واضحة، لكن أحدث استطلاعات الرأي المتاحة (مركز CEO لعام 2024) لا تسمح بعد بتأكيد حدوث تحول في الاتجاه العام، إذ لا يزال دعم الاستقلال يمثل أقلية في استطلاعات الرأي.