ويستند هذا التصنيف إلى مجموعة من المؤشرات المجمّعة: القيمة المضافة الصناعية، جودة التشغيل، الإنتاج، الصادرات، مناخ الأعمال، والبنية التحتية اللوجستية.
غير أن هذا النجاح الصناعي يأتي مصحوباً بمفارقة. ففي الوقت الذي يعزز فيه المغرب هذا الموقع، يُعرب عدد من المسؤولين الأوروبيين عن قلقهم — وهو ما تناولته مقالة في صحيفة “فاينانشال تايمز” تتردد أصداؤها في أروقة صنع القرار في بروكسل — من احتمال تحوّل البلاد إلى منصة تتيح للصناعة الصينية الالتفاف على الحواجز الجمركية للوصول إلى السوق الأوروبية. وبين الاعتراف المؤسساتي والشك الجيو-اقتصادي، يجد المغرب نفسه في قلب صراع نفوذ يتجاوزه بكثير.
أداء صناعي لا قوة قارية
يستدعي الأمر بداية التمييز بين دلالات هذا التصنيف. فاحتلال المرتبة الأولى أفريقياً في مؤشر للتصنيع لا يعني بالضرورة التحول إلى “قوة صناعية” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي ذلك المفهوم القائم على حجم الإنتاج، والتحكم التكنولوجي، ومحفظة براءات اختراع واسعة النطاق. ولا تستوفي أي دولة أفريقية حالياً هذا التعريف الأشمل بشكل كامل. وقد ظلت جنوب أفريقيا لفترة طويلة تحتل موقع المرجعية هذا؛ ويطالب المغرب اليوم بهذا الموقع، استناداً إلى مسار بُني على سلسلة من المخططات الصناعية المتعاقبة، بدأت مع مخطط التسريع الصناعي لعام 2014.
وتستحق الأرقام التي يستشهد بها المسؤولون المغاربة لدعم هذه القراءة أن تُذكر: إذ باتت نسبة 87% من قيمة الصادرات المغربية تأتي حالياً من المنتجات المصنّعة، وهو مستوى يميّز الدولة الصناعية عن تلك التي تكتفي بتصدير المواد الخام. كما يحتل المغرب المرتبة الأفريقية الأولى في مؤشر الابتكار العالمي منذ خمس سنوات متتالية، وهو مؤشر يُقدَّم على أنه متسق مع هذا المسار الصناعي الصاعد.
شبهة منصة صينية مقنّعة
في هذا السياق يكتسب الاتهام الموجه من بعض المسؤولين الأوروبيين وزنه الكامل. إذ تتهم المفوضية الأوروبية بكين بتقديم دعم عمومي غير عادل لصالح صانعي السيارات الصينيين، وتخشى أن يكون المغرب بوابة خلفية لدخول منتجات صينية مدعومة إلى السوق الأوروبية دون مواجهة رسوم جمركية مماثلة.
وترد السلطات المغربية على هذه القراءة بأرقام خاصة بها. فالمقالة المذكورة تتحدث عن التزامات استثمارية صينية محتملة بقيمة 6 مليارات دولار في المغرب. وبمقارنة هذا الرقم بإجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر السنوية للمغرب من جميع المصادر — التي تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار — يبدو الرقم مبالغاً فيه: إذ إن المبلغ المستثمر فعلياً حتى الآن يقارب 1.2 إلى 1.3 مليار دولار فقط. وللمقارنة، استقبل الاتحاد الأوروبي نحو 160 مليار دولار من الاستثمارات الصينية خلال العقد الماضي، كما تلقت مصنع واحد لإنتاج البطاريات بحجم كبير في أحد بلدان أوروبا الشرقية دعماً عمومياً بقيمة 7 مليارات يورو، وهو مبلغ يفوق إجمالي مخزون الاستثمار الصيني المنسوب إلى المغرب.
نقطة ثانية يجري التذكير بها: طاقة الإنتاج السيارات المُقامة في المغرب تعمل تحت راية شركات مصنعة أوروبية، في حين تعمل شركات صينية لصناعة المعدات في الوقت نفسه على بناء طاقة إنتاجية على الأراضي الأوروبية ذاتها تُقدَّر بمليون سيارة سنوياً. ويستورد الاتحاد الأوروبي من جهته أكثر من 800 ألف سيارة صينية الصنع سنوياً، مقابل نحو 400 ألف سيارة مغربية الصنع تُصدَّر إلى أوروبا.
سلسلة قيمة البطاريات، نقطة اشتعال الحرب الصناعية
يبقى القطاع الأكثر حساسية هو بطاريات السيارات الكهربائية، حيث تسيطر الصين على نحو 70% من الحصة السوقية العالمية. ودخل المغرب هذا القطاع استجابةً مباشرة لقرار الاتحاد الأوروبي كهربة أسطول السيارات بحلول عام 2035. وفي غياب مستثمرين أوروبيين أو أمريكيين مستعدين للانخراط في قطاع كان يُعتبر آنذاك عالي المخاطر، كان الشركاء الصينيون هم من استجابوا.
ووفق المسؤولين المستشهد بهم، اختار المغرب عمداً القطاع الأكثر تعقيداً من الناحية التقنية ضمن سلسلة القيمة: مواد “السلائف” (Précurseurs)، وهي مرحلة المعالجة الكيميائية التي تتركز حالياً بشكل شبه حصري في آسيا. ويعمل أول مصنع مغربي لهذه السلائف كمشروع مشترك بحصص متساوية بين رأس المال المغربي والصيني، ومن المتوقع أن تضم مصنعاً كبيراً مقبلاً لإنتاج خلايا البطاريات حصة بنسبة 25% لصانع سيارات أوروبي. وبحلول نهاية العام، يُنتظر أن تصبح سلسلة قيمة البطاريات هذه، وفق المصادر نفسها، متكاملة بالكامل على الأراضي المغربية، وهو ما يُقدَّم كنموذج فريد خارج آسيا.
قانون تسريع الصناعة، نقطة احتكاك تنظيمية
يتصدر النقاشات الحالية مشروع القانون الأوروبي المعروف بـ”Industrial Accelerator Act”، الذي تعكف عليه حالياً لجنتان في البرلمان الأوروبي. ويهدف النص إلى تخصيص جزء من الصفقات العمومية الأوروبية للمنتجات ذات المحتوى الأوروبي الجوهري.
وتتمحور المفاوضات بين الرباط وبروكسل حول ثلاث نقاط رئيسية:
- نسبة التجميع النهائي المطلوبة داخل الاتحاد الأوروبي، المحددة بـ70% في المسودة الحالية
- آلية “المكافأة الفائقة” المرتبطة بثاني أكسيد الكربون، المطبقة على السيارات الكهربائية الصغيرة وموقع تجميعها
- قواعد المنشأ المنظمة لسلسلة قيمة البطاريات
ويندرج المغرب، إلى جانب 87 دولة أخرى تربطها اتفاقيات تجارية بالاتحاد الأوروبي، ضمن النطاق الموسّع لآلية “صُنع في أوروبا”. وتتركز المباحثات التقنية، الجارية على مستوى المفوضية ومع أعضاء البرلمان الأوروبي المكلفين بالملف، حول هذه النقاط الثلاث تحديداً، دون التشكيك في اندماج المغرب ضمن منظومة الإنتاج هذه. ويقدّر محللون يتابعون الملف أن تصويتاً قد يجري قبل نهاية العام، رهناً بتوافق بين الدول الأعضاء لم يتبلور بعد بشكل كامل.
سابقة جنوط الألومنيوم
لا يشكّل ملف البطاريات هذا حالة معزولة. فهو يستحضر نزاعاً سابقاً: إذ فرض الاتحاد الأوروبي عام 2023 رسوماً لمكافحة الإغراق، ثم عام 2025 رسوماً تعويضية، على جنوط الألومنيوم المصنَّعة في المغرب، بنسبة إجمالية بلغت نحو 49%. ومن هذا الإجمالي، لا تُنسب إلى المغرب مباشرة سوى نسبة تتراوح بين 4 و5 نقاط مئوية، فيما يُعزى الجزء الأكبر — نحو 21 نقطة — إلى اعتبارات مرتبطة بالصين، بعد أن لم تستجب بكين، بحسب ما يُذكر، بشكل كافٍ لطلبات أوروبية بخصوص هذه المسألة تحديداً. ولا تزال إمكانية اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية قيد الدراسة، دون اتخاذ أي قرار حتى الآن.
بين شريكين، معادلة لا تُحسم بالاصطفاف
يفرض الواقع على المغرب موازنة مستمرة بين شريكين. فالاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للمملكة؛ بينما أصبحت الصين شريكاً صناعياً لا غنى عنه تحديداً في قطاع التنقل الكهربائي والبطاريات، في غياب بديل غربي وقت دخول المغرب هذا المجال.
والحجة التي يقدمها المسؤولون المغاربة لا تطرح هذا التوازن كخيار بين معسكرين، بل كسلسلة قيمة مبنية على رأس مال مختلط — استثمارات متقاطعة، نقل للتكنولوجيا، وتثمين للمواد الخام الوطنية كالفوسفاط — في مقابل مصانع صينية ضخمة تُقام في أوروبا برأس مال يُوصف بأنه صيني بالكامل، ومستويات دعم عمومي لا يمكن لبلد كالمغرب أن يضاهيها.
ما الذي يعنيه هذا لمستقبل القطاع
يعكس هذا الملف توتراً أوسع، مرتبطاً بإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية لصناعة السيارات حول تكتلات صناعية إقليمية. ويطالب المغرب باندماج كامل في الفضاء الإنتاجي الإيبيري-الفرنسي-الألماني، الذي بُني على مدى خمسة وعشرين عاماً. غير أن أي تطور غير مواتٍ في النص الأوروبي قيد النقاش قد يؤثر على قرارات الاستثمار المستقبلية، لا سيما في قطاع البطاريات، ويدفع المملكة إلى مزيد من تنويع أسواق تصديرها.
وستحدد نتيجة هذا النقاش التنظيمي، المتوقعة قبل نهاية العام، إلى حد كبير ما إذا كان بإمكان المغرب ترسيخ موقعه كمنصة صناعية مندمجة مع أوروبا، أم أن شروط هذا الاندماج ستحتاج إلى إعادة تعريف.
أسئلة شائعة
هل المغرب فعلاً القوة الصناعية الأولى في أفريقيا؟
يحتل المرتبة الأولى في مؤشر التصنيع لعام 2025 الصادر عن بنك التنمية الأفريقي، وهو مؤشر مركّب. لكن هذا لا يجعله قوة صناعية من حيث الحجم الإجمالي أو التحكم التكنولوجي الشامل، وهي مكانة لا تحظى بها أي دولة أفريقية حالياً.
لماذا يقلق الاتحاد الأوروبي من الاستثمارات الصينية في المغرب؟
يخشى أن تدخل منتجات مدعومة صينياً إلى السوق الأوروبية عبر المغرب، متجاوزة بذلك إجراءات مكافحة الإغراق الموجهة مباشرة ضد الصين.
ما هو قانون تسريع الصناعة (Industrial Accelerator Act)؟
مشروع تنظيم أوروبي قيد النقاش في البرلمان، يهدف إلى تخصيص جزء من الصفقات العمومية للمنتجات ذات المحتوى الأوروبي الجوهري، مع قواعد محددة بشأن التجميع النهائي وسلسلة قيمة البطاريات.
هل على المغرب أن يختار بين الاتحاد الأوروبي والصين؟
يرفض المسؤولون المغاربة هذا الطرح الثنائي، ويقدمون استراتيجيتهم الصناعية كاندماج برأس مال مختلط مصمم لخدمة الشراكتين معاً في آن واحد.