واغتنم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يوم الاثنين، هذه المناسبة ليؤكد مجددا طموح المملكة: جعل التكنولوجيا الرقمية رافعة للسيادة الوطنية والتنافسية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي. وخلف التصريحات الرسمية، تتشكل بنية صناعية متكاملة، مدعومة باستثمارات عمومية تضاعفت أكثر من مئة مرة خلال ثلاث سنوات.
تابعتُ عن قرب صعود المنظومة التكنولوجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، وما يلفت الانتباه اليوم هو التحول في الحجم. فقد انتقلت البلاد من الحديث عن “الرقمنة” إلى التفاوض المباشر مع عمالقة وادي السيليكون الأمريكيين لاستقطاب مراكزهم للبحث والتطوير على الأراضي المغربية. الأمر لم يعد تواصلا مؤسساتيا، بل استراتيجية صناعية واضحة المعالم.
طموح يعود إلى سنة 2021
يعود منعطف هذه الاستراتيجية إلى سنة 2021، حين أحدث المغرب قطاعا وزاريا مخصصا بالكامل للتحول الرقمي. وقد سمح هذا الاختيار المؤسساتي بإخراج الموضوع من الأطر الإدارية التقليدية وجعله أولوية أفقية للحكومة.
والأرقام تتحدث عن نفسها. إذ ارتفعت الاستثمارات العمومية في التكنولوجيات الرقمية من 11 مليون درهم سنة 2021 إلى أكثر من 1,7 مليار درهم سنة 2024، أي ما يعادل نحو 173 مليون دولار. ويعكس هذا المسار رهانا واضحا: جعل التكنولوجيا الرقمية قطاعا استراتيجيا على غرار الفلاحة أو السياحة في الاقتصاد المغربي.
وتنبني استراتيجية المغرب الرقمي 2030، التي انطلقت رسميا سنة 2024، على أهداف ملموسة بدل النوايا العامة. إذ تريد الحكومة تكوين أعداد كبيرة من الشباب في المهن الرقمية، وخلق مناصب شغل مؤهلة في الاقتصاد الرقمي، ودعم ظهور شركات ناشئة مبتكرة، وتعزيز صادرات الخدمات الرقمية.
أوراكل في أكادير، رمز لإعادة توزيع جغرافي
افتتاح مركز البحث والتطوير التابع لأوراكل في أكادير ليس أمرا عرضيا. فهو يعكس إرادة واضحة لعدم تركيز الخريطة التكنولوجية المغربية التي ظلت لسنوات محصورة في محور الدار البيضاء-الرباط.
وشدد أخنوش على هذه النقطة، مؤكدا أن الهدف هو توسيع الولوج إلى التكنولوجيات المتقدمة إلى ما وراء المدن الكبرى، حتى تستفيد الجهات والجامعات ومراكز التشغيل في جميع أنحاء البلاد من هذه الدينامية الرقمية. وهكذا تتحول أكادير، التي كانت ترتبط أساسا بالسياحة الساحلية والصناعة الفلاحية، إلى نقطة ارتكاز تكنولوجية جهوية.
وبالنسبة لعملاق مثل أوراكل، لا يقتصر هذا الاختيار على البعد الرمزي فقط. بل يستجيب لمنطق اقتصادي دقيق: تكاليف يد عاملة تنافسية، وقرب جغرافي من أوروبا، وتوافق في التوقيت، وخزان من الكفاءات المكونة في المدارس الهندسية المغربية، ناطقة بالفرنسية ومتزايدة الانفتاح على الإنجليزية.
لماذا تتجه أنظار العمالقة التقنيين الأمريكيين نحو المغرب
تفسر عدة عوامل الجاذبية المتنامية للمملكة لدى الشركات التكنولوجية الدولية:
- موقع جغرافي استراتيجي، عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط
- إطار ضريبي محفز للاستثمارات الأجنبية في القطاعات التكنولوجية
- يد عاملة مؤهلة وتنافسية، خاصة في مهن هندسة البرمجيات
- استقرار سياسي نادر في المنطقة، يحظى بتقدير المستثمرين على المدى الطويل
- بنيات تحتية رقمية في تحسن مستمر، مدعومة بالاستثمارات العمومية
التكنولوجيا الرقمية كرافعة للسيادة
ما يميز الخطاب المغربي عن مجرد خطة لتحديث الإدارة هو حضور بعد السيادة الوطنية بشكل ثابت. وكان أخنوش واضحا: التكنولوجيا الرقمية ليست مجرد أداة لتحديث الإدارة العمومية، بل هي أيضا رافعة للنمو الاقتصادي ووسيلة لخلق مناصب شغل مؤهلة لفائدة الشباب المغربي.
ولا يأتي هذا الخطاب من فراغ في السياق الجهوي الحالي. إذ تخوض عدة دول إفريقية وشرق أوسطية منافسة صامتة لكنها حقيقية لاستقطاب الاستثمارات التكنولوجية الأجنبية. وبتبنيه لهذه الاستراتيجية منذ سنة 2024، يسعى المغرب إلى التقدم على منافسين مثل مصر أو الإمارات العربية المتحدة، اللتين تستثمران بدورهما بشكل كبير في منظومتيهما الرقميتين.
تحليلي الشخصي، بعد متابعة عدة إعلانات حكومية من هذا القبيل على مر السنين: الاختبار الحقيقي لن يكمن في الإعلان عن مراكز بحث وتطوير جديدة، بل في قدرة البلاد على الاحتفاظ بالكفاءات التي تكونها محليا. فخطر هجرة الأدمغة نحو أوروبا يبقى قائما، ونجاح استراتيجية المغرب الرقمي 2030 سيتوقف بقدر ما على الاحتفاظ بالكفاءات بقدر ما يتوقف على جلب رؤوس الأموال الأجنبية.
نحو قطب تكنولوجي جهوي
الطموح المعلن واضح: وضع المغرب كـقطب تكنولوجي رائد في إفريقيا والمنطقة. ويستند هذا التموقع إلى عدة ركائز متكاملة: التكوين، وجاذبية الاستثمار، ودعم الابتكار المحلي، وتنمية صادرات الخدمات الرقمية.
الرهان طموح، لكنه يستند إلى دينامية سبق أن انطلقت. فالدار البيضاء تحتضن منذ سنوات مراكز إسناد معلوماتي لفائدة شركات فرنسية وأوروبية. والرباط تركز حصة متزايدة من البحث العمومي في الذكاء الاصطناعي. أما أكادير فتنضم الآن إلى هذه الحركية مع وصول أوراكل.
ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت هذه الدينامية ستترجم إلى ارتقاء حقيقي في المنظومة المحلية، مع بروز شركات ناشئة مغربية قادرة على المنافسة دوليا، أم أن المملكة ستظل بالأساس وجهة للإسناد الخارجي لفائدة مجموعات أجنبية. والفارق بين هذين السيناريوهين هو ما سيحدد المدى الحقيقي للتحول الاقتصادي الموعود.
ما ينبغي مراقبته في السنوات المقبلة
من الآن وحتى 2030، ستسمح عدة مؤشرات بقياس نجاح هذه الاستراتيجية: عدد مناصب الشغل المؤهلة التي تُخلق فعليا، وحجم صادرات الخدمات الرقمية، وعدد الشركات الناشئة المغربية التي تبلغ حجما حقيقيا، وتوزيع الاستثمارات التكنولوجية جغرافيا عبر التراب الوطني.
ويشكل تدشين مركز أوراكل بأكادير خطوة أولى رمزية. لكن المعركة الحقيقية ستُخاض على المدى الطويل، في قدرة المغرب على تحويل إعلانات الاستثمار إلى منظومة مستدامة، قادرة على تكوين كفاءاتها الرقمية والاحتفاظ بها وتثمينها.
الأسئلة الشائعة
ما هي استراتيجية المغرب الرقمي 2030؟
هي خطة حكومية انطلقت سنة 2024، تهدف إلى جعل التكنولوجيا الرقمية رافعة للسيادة الوطنية والنمو الاقتصادي والإدماج الاجتماعي، من خلال التكوين وخلق فرص الشغل والابتكار وتصدير الخدمات الرقمية.
لماذا اختارت أوراكل أكادير لمركزها للبحث والتطوير؟
يندرج هذا الاختيار ضمن سعي المغرب لتوسيع الفرص التكنولوجية خارج المدن الكبرى، مع الاستفادة من موقع استراتيجي ويد عاملة مؤهلة وتنافسية.
كم بلغ حجم الاستثمار العمومي المغربي في التكنولوجيا الرقمية؟
ارتفعت الاستثمارات العمومية من 11 مليون درهم سنة 2021 إلى أكثر من 1,7 مليار درهم سنة 2024، أي بزيادة لافتة خلال ثلاث سنوات فقط.
هل يمكن للمغرب أن يصبح فعلا قطبا تكنولوجيا جهويا؟
الطموح حقيقي ومدعوم باستثمارات ملموسة، لكن النجاح سيتوقف على قدرة البلاد على الاحتفاظ بالكفاءات المكونة محليا وتنمية شركات تكنولوجية مغربية قادرة على المنافسة دوليا.