تابعتُ ملف الاتصالات بالمغرب عبر عدة محطات حساسة، من أزمة خدمات المكالمات عبر الإنترنت سنة 2016 إلى انقطاع الكهرباء الإيبيري في أبريل 2025، ولاحظتُ أن المملكة تفضّل دائما التباطؤ الموجّه على القطع الكامل. هذا الفرق أساسي لفهم ما قد يحدث فعلا، ولماذا، وما تأثيره الملموس على 43.3 مليون مشترك في الإنترنت اليوم في البلاد.
في هذا المقال، أفكك الآلية التقنية للقطع، أعود إلى السوابق التاريخية، وأشرح لماذا يجعل الاعتماد الاقتصادي المتنامي للمغرب على الرقمنة أي قطع شامل مكلفا جدا للدولة نفسها.
كيف يشتغل تقنيا قطع الإنترنت على مستوى بلد كامل
لا تقوم أي دولة “بفصل” الإنترنت كما تُطفأ المصباح. تعتمد شبكة الاتصالات المغربية على عدد محدود من نقاط العبور الإلزامية: الكابلات البحرية التي تربط المملكة بأوروبا عبر إسبانيا، عقد الربط التي تديرها الشركات التاريخية، ومراكز البيانات التي تستضيف حركة الإنترنت المحلية.
ولقطع الوصول على المستوى الوطني، لا يحتاج الجهاز المختص إلا إلى عدد قليل من الروافع، لأن السوق مركّز حول ثلاثة فاعلين يتحكمون في الجزء الأكبر من حركة الشبكة.
الشركات الثلاث المعنية هي:
- اتصالات المغرب، المشغّل التاريخي، ولا يزال مهيمنا على الهاتف الثابت والمحمول
- أورنج المغرب، الحاضر بقوة في الألياف البصرية والجيل الرابع
- إنوي، الفاعل الثالث في السوق، النشيط في المحمول والإنترنت الثابت
تعليمة واحدة موجهة لهذه الشركات الثلاث تكفي، نظريا، لقطع معظم الحركة الوطنية في غضون ساعات قليلة. هذه بالضبط الآلية التي شاهدناها في مكان آخر، مثلا خلال التعتيم الإيراني بين يناير ومايو 2026، حين وسّعت السلطات القطع تدريجيا ليشمل طهران وأصفهان ومدنا أخرى، اعتمادا على تحكم مركزي في مزوّدي الخدمة. يملك المغرب بنية مشابهة، من خلال الجهاز المنظم، الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، التي تملك سلطة على الرخص ويمكنها، بقرار حكومي، فرض توقف الخدمة.
ما ينقص المغرب مقارنة ببعض دول الخليج أو الصين هو زر إيقاف مركزي وآلي. القطع المغربي، حين وقع، تم دائما بشكل يدوي وبروتوكولا تلو الآخر، وهذا ما يفسر لماذا اتخذت الحالات السابقة شكل تباطؤ وليس انقطاعا صريحا.
ما حدث فعلا في السنوات الماضية
لم يقطع المغرب الإنترنت على مستوى البلد بأكمله من قبل. لكنه أظهر، في أكثر من مناسبة، قدرته وإرادته على التدخل في الشبكة حين تستدعي الظروف ذلك.
حجب مكالمات الإنترنت سنة 2016
الحادثة الأكثر توثيقا تعود إلى نهاية 2015 وبداية 2016، حين حُجبت المكالمات عبر واتساب وسكايب وفايبر على شبكات الهاتف المحمول، بذريعة رسمية تتعلق بالتراخيص. استمر هذا الحجب عدة أشهر ولم يُرفع إلا قبل أيام قليلة من انطلاق قمة المناخ COP22 بمراكش، تحت ضغط دبلوماسي واقتصادي واضح. وقد أُقيل المدير العام للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات في تلك الفترة، في سياق كان محتقنا حول هذا الملف بالذات.
هذا النموذج، حجب خدمة محددة لمدة مؤقتة بدل قطع الشبكة الوطنية بالكامل، يبقى السيناريو الأقرب إلى الواقع في حال حدوث أزمة جديدة. وقد صنّف تقرير مؤسسة Freedom House المغرب في المرتبة 54 من أصل 65 دولة ضمن تصنيفها لحرية الإنترنت، معتبرة إياه بلدا “حرا جزئيا”، وهو تصنيف يعكس هذه المنطقة الرمادية بين رقابة معلنة وولوج يبقى متاحا في مجمله.
لماذا يبقى القطع الكامل مقامرة اقتصادية خطيرة
هنا تحديدا تدفعني خبرتي في متابعة هذا القطاع إلى تنسيب السيناريوهات الكارثية التي نقرأها أحيانا. مغرب 2026 ليس هو مغرب 2016. بنى البلد اعتمادا رقميا يجعل أي قطع شامل مكلفا للغاية، بل قد يكون له مفعول عكسي على الحكومة نفسها.
بلغ معدل انتشار الإنترنت رقما قياسيا بلغ 117.9% مع نهاية شتنبر 2025، مدعوما بقاعدة 43.3 مليون مشترك، مقابل 42.1 مليون قبل سنة. يسير الهاتف المحمول في نفس الاتجاه، بـ66.1 مليون اشتراك ومعدل انتشار بلغ 166%. هذه الأرقام، الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، تعكس مجتمعا أصبح فيه الهاتف الذكي أداة مركزية في الحياة اليومية، من الأداء عبر الهاتف إلى المساطر الإدارية مرورا بالسياحة.
يستضيف المغرب من جهة أخرى كأس أمم إفريقيا 2025-2026، وهو حدث يعبّئ محطات بث دولية ومنصات حجز التذاكر وتطبيقات النقل وتدفقات سياحية ضخمة. أي قطع وطني في خضم منافسة قارية بهذا الحجم سيبعث برسالة كارثية للمستثمرين والشركاء الدوليين، في وقت يسعى فيه المغرب بالضبط إلى ترسيخ صورته كقطب رقمي جهوي، وهو ما تؤكده توسعة الألياف البصرية بسرعات الجيغابايت ودوره كنقطة إسناد تقني لدول أخرى في غرب إفريقيا عند تعرض الكابلات البحرية لأعطاب كبرى.
القطاعات الأكثر عرضة للتأثر في حال حدوث تعتيم شامل هي:
- السياحة والفندقة، المعتمدتان بشكل كبير على الحجز عبر الإنترنت والأداء اللامادي
- البنوك وخدمات الأداء عبر الهاتف، التي رقمنت جزءا كبيرا من خدماتها في السنوات الأخيرة
- مراكز النداء والخدمات المفوضة، وهي ركيزة أساسية لاقتصاد الدار البيضاء والرباط
- الإدارات العمومية، التي سرّعت وتيرة رقمنة مساطرها
- المصدّرون في قطاعي النسيج والصناعة، المعتمدون على لوجستيك متصل بالشبكة
الخطر الحقيقي ليس القطع الوطني بل العطل غير المتوقع
هناك مفارقة مهمة تستحق التوقف عندها. أبرز انقطاع عرفه المغرب مؤخرا لم يكن سياسيا، بل كان عرضيا. ففي 28 أبريل 2025، تسبب انقطاع كهربائي ضخم في إسبانيا والبرتغال في اضطراب كبير لحركة الإنترنت لدى أورنج المغرب، الذي يعتمد على خوادم موجودة في شبه الجزيرة الإيبيرية لجزء من روابطه الدولية. بل إن أحد خبراء الأمن السيبراني الذين استشهدت بهم الصحافة المغربية طرح آنذاك فرضية هجوم إلكتروني.
تكشف هذه الحادثة عن هشاشة بنيوية أكثر واقعية بكثير من سيناريو قرار سياسي بقطع شامل: اعتماد المغرب على بنية تحتية أجنبية، خصوصا إيبيرية، لجزء من اتصاليته الدولية. وهذه نقطة أراها غائبة عن النقاش العام غالبا. نتخيل عادة أن قطع الإنترنت هو فعل إرادة حكومية، بينما الخطر الأقرب يأتي أحيانا من حلقة خارجية لا تملك الدولة عليها أي سيطرة مباشرة.
يساهم تطوير الكابلات البحرية البديلة وتوسيع تغطية الألياف البصرية، التي تستهدف ربط 5.6 مليون منزل بحلول 2030، في تقليص هذا الاعتماد وتعزيز صلابة الشبكة الوطنية.
خلاصة حول قدرة المغرب على قطع الإنترنت
يملك المغرب فعلا الإطار التنظيمي والتركيز التقني اللازمين لقطع الوصول إلى الإنترنت على أراضيه، عبر تعليمة موجهة للشركات الثلاث الكبرى وتحت سلطة الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات. لكن التاريخ الحديث يُظهر أن البلد فضّل دائما تدابير موجّهة ومؤقتة، كحجب خدمة معينة، بدل تعتيم شامل ودائم للشبكة الوطنية.
تحليلي، بعد متابعة هذا الملف لسنوات، هو أن الكلفة الاقتصادية والدبلوماسية لأي قطع عام ارتفعت بشكل كبير مع الرقمنة المكثفة للبلاد. السيناريو الأكثر واقعية في حال أزمة جديدة يبقى إذن تراجعا موجّها للخدمة في مناطق أو استخدامات معينة، لا تعتيما وطنيا شاملا يشبه ما عاشته إيران مطلع 2026. هذا لا يلغي الخطر تماما، لكنه ينسّب بقوة فكرة وجود “زر واحد” يمكن الضغط عليه بين عشية وضحاها لقطع الإنترنت عن المملكة بأكملها.
أسئلة شائعة
هل سبق للمغرب أن قطع الإنترنت على المستوى الوطني؟ لا. حجبت الدولة بعض الخدمات، مثل مكالمات الإنترنت سنة 2016، لكنها لم تقطع الوصول إلى الشبكة عبر كامل التراب الوطني من قبل.
من يملك الصلاحية القانونية لقطع الإنترنت في المغرب؟ الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) هي الجهاز الذي يؤطر رخص المشغلين، ويمكنها، بقرار حكومي، فرض توقف أو تقييد للخدمة.
هل احتمال قطع شامل للإنترنت وارد سنة 2026؟ احتمال ضعيف على نطاق واسع نظرا لاعتماد الاقتصاد المغربي الكبير على الرقمنة، خصوصا مع تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025-2026، لكن التقييدات الموجّهة والمحلية أداة سبق استعمالها فعلا.
ماذا أفعل في حال انقطاع الإنترنت في المنزل؟ قبل التفكير في قطع ذي طابع سياسي، تحقق أولا من الراوتر ومن الاتصال عبر الهاتف المحمول: أغلب حالات الانقطاع المسجلة في المغرب تبقى أعطالا تقنية محلية أو حوادث مرتبطة بالبنية التحتية الدولية، كما وقع خلال انقطاع الكهرباء الإيبيري في أبريل 2025