ففي الوقت الذي يحقق فيه المغرب دعماً دبلوماسياً غير مسبوق في ملف الصحراء، ويفرض نفسه كبلد مستضيف لكأس العالم، يعود سؤال متكرر في أوساط المحللين بالرباط: لماذا الاستمرار في التفكير في الذات أولاً كحلقة من “الأمة العربية” بدلاً من اعتبار المغرب ما هو عليه فعلاً، أي ملتقى أمازيغي وإفريقي وأطلسي وأندلسي؟ ليس الأمر خلافاً لغوياً بحتاً، بل هو اختيار لسردية وطنية يؤثر على المدرسة والدبلوماسية، وحتى على الطريقة التي يروي بها المغاربة تاريخهم الخاص.
- هوية مغربية متعددة تذوب في سردية عربية كبرى
- ولاء إيديولوجي أكثر منه ارتباطاً ملموساً
- الأمازيغية، الضحية الكبرى لرؤية موحِّدة
- تاريخ مغربي كثيراً ما يُروى من الشرق
- التضامن العربي، أسطورة تتعرض لاختبار قاسٍ
- أولويات وطنية تُصرف نحو قضايا خارجية
- المغرب، قوة أطلسية وإفريقية قبل كل شيء
- ما الذي يتغير فعلاً مع سردية وطنية معلنة
- أسئلة شائعة
تابعتُ هذا النقاش عن قرب، بين قراءة الأرشيفات ومحادثات مع ناشطين أمازيغيين ودبلوماسيين ضليعين في اللعبة الإقليمية. وكلما تعمقت في الموضوع، ترسخت لدي قناعة: لقد قدّم الفكر القومي العربي خدمات حقيقية في الماضي، لكنه يكلّف اليوم غالياً بلداً من مصلحته أن يروي قصته الخاصة، لا قصة الشرق الأوسط.
هوية مغربية متعددة تذوب في سردية عربية كبرى
المغرب لم يولد عربياً. فهو أمازيغي في جذوره، إفريقي في جغرافيته، أندلسي في جزء من تراثه المعماري والموسيقي، وعربي-إسلامي في طبقة تاريخية مهمة لكن غير حصرية. أما القومية العربية فتقترح منطقاً أحادياً: إرجاع كل شيء إلى انتماء عربي يُفترض أنه الأصل، على حساب طمس الطبقات الأخرى.
هذا الطمس ليس أمراً هيّناً. فبلد يُعلّم أطفاله أنهم ينتمون أولاً إلى “أمة عربية” مجردة، يُعلّمهم ضمنياً التقليل من شأن ما يجعل المغرب فريداً. والحال أن هذا التفرد هو بالضبط أحد أكبر الأصول الدبلوماسية والسياحية للمملكة: قدرتها على تقديم نفسها كجسر بين عوالم متعددة، لا كمقاطعة غربية لكيان عربي مركزه المشرق.
ولاء إيديولوجي أكثر منه ارتباطاً ملموساً
تعمل القومية العربية كولاء لفكرة أكثر منه لأرض. فهي تدعو إلى التفاعل مع قضايا بعيدة قبل التفاعل مع أكادير أو الناظور أو الداخلة. وهذا الترتيب الهرمي للولاءات، بمجرد أن يترسخ، يُضعف آلياً الارتباط الأول الذي ينبغي أن يولّده البلد الحقيقي، بجهاته ولهجاته وتاريخه الخاص.
الأمازيغية، الضحية الكبرى لرؤية موحِّدة
يستحيل الحديث عن الهوية المغربية دون ذكر اللغة الأمازيغية، التي رسّمها دستور 2011 لكنها لا تزال بعيدة عن احتلال المكانة التي تستحقها في التعليم والإدارة والإعلام الوطني. وقد شكّلت السردية القومية العربية، من خلال تمركزها حول العربية كلغة “الأمة”، ذريعة طويلة الأمد لهذا التأخر.
وتجدر الإشارة إلى بعض الحقائق بوضوح:
- لا تزال الأمازيغية أقلية في الكتب المدرسية رغم تقدم حقيقي منذ 2011
- تعميم تدريسها لا يزال يصطدم بنقص مزمن في الأساتذة المكوَّنين
- تحتل وسائل الإعلام السمعي البصري الناطقة بالأمازيغية مكانة هامشية مقارنة بالقنوات الناطقة بالعربية
- لا يزال جزء من الإدارة الترابية يعمل بشكل شبه حصري بالعربية
هذا ليس محض صدفة زمنية، بل نتيجة مباشرة لمنطق هوياتي عامل طويلاً الأمازيغية كفولكلور جهوي بدلاً من اعتبارها ركيزة تأسيسية للمغرب.
تاريخ مغربي كثيراً ما يُروى من الشرق
أثر آخر للقومية العربية: إغراء إعادة قراءة التاريخ المغربي من منظور الشرق الأوسط، وكأن التواريخ الكبرى للمملكة لا تكتسب معناها إلا كصدى لأحداث دمشق أو القاهرة أو بغداد. والحال أن التاريخ المغربي يكتفي بذاته إلى حد بعيد: سلالات أمازيغية، مملكة شريفة مستمرة منذ قرون، توسع أندلسي، مقاومة للاستعمار، وبناء دولة حديثة حول المؤسسة الملكية.
إن اختزال هذا المسار في مجرد نسخة إقليمية من العالم العربي يعني التقليل من شأن ما يجعل النموذج المغربي صعب النقل إلى أماكن أخرى: ملكية ذات شرعية دينية وتاريخية عريقة، ودبلوماسية متعددة التحالفات، وتنوع ثقافي معلن. فمقارنة المغرب بشكل منهجي بعواصم عربية أخرى تعني قياس واقع معقد بمسطرة أقصر من اللازم.
التضامن العربي، أسطورة تتعرض لاختبار قاسٍ
هذه على الأرجح أكثر النقاط حساسية، وتقدّم سنة 2026 مثالاً صارخاً عليها. ففي ملف الصحراء، حصلت المملكة في النهاية على دعم دولي واسع، وصولاً إلى قرار لمجلس الأمن الدولي في نهاية 2025 يشيد بمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل “الأكثر واقعية”، ثم إعلان مشترك لأربعين دولة في جنيف في ربيع 2026. لكن هذا الدعم الكبير جاء بشكل رئيسي من أوروبا والولايات المتحدة، وعدد كان خجولاً في البداية من الدول الإفريقية، لا من كتلة عربية موحدة وتلقائية.
ولفترة طويلة، كانت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل هما اللتان قدّمتا دعماً ثابتاً وواضحاً لمغربية الصحراء، بينما التزمت عواصم عربية أخرى بمواقف أكثر حذراً، بل ومعادية أحياناً تحت تأثير جزائري. وهذا التباين بين خطاب “الأخوة العربية” وواقع التصويتات والتمويلات والمواقف لا يمكن أن يمر دون أثر على الشعور الوطني المغربي. فالتضامن الذي يُستحضر نظرياً لكنه لا يتجسد في اللحظات الحاسمة ينتهي به الأمر خاوياً.
أولويات وطنية تُصرف نحو قضايا خارجية
للقومية العربية أيضاً تكلفة فرصة ضائعة. فكل طاقة دبلوماسية، وكل خط تحريري، وكل ساعة نقاش عمومي تُخصص لقضايا إقليمية بعيدة، هي طاقة لا تُوظَّف في خدمة الأوراش المغربية الحقيقية: الماء، تشغيل الشباب، التماسك الترابي بين الشمال والجنوب والأقاليم الصحراوية، أو التنويع الاقتصادي المنطلق حول صناعة السيارات والفوسفاط والطاقات المتجددة.
لا أقول إن على المغرب أن ينقطع عن العالم العربي أو الإسلامي، ولا أن يتخلى عن تضامنات صادقة. أُلاحظ فقط أن بلداً له طموح مشروع في أن يصبح قوة أطلسية وإفريقية من الطراز الأول، ليس من مصلحته ترك منطق إيديولوجي متجاوز يحدد وحده بوصلته الخارجية.
المغرب، قوة أطلسية وإفريقية قبل كل شيء
ربما هنا يكمن الرهان الأكثر استراتيجية. فمغرب 2026 يشارك في تنظيم جزء من كأس العالم، ويضاعف الاستثمارات المينائية على واجهته الأطلسية، ويحمل مشروع فتح دول الساحل على المحيط. وهذا المسار لا علاقة له تقريباً بالمشرق، بل يندرج في منطق إفريقي وأطلسي ومتوسطي أوسع بكثير من العالم العربي وحده.
إن الاستمرار في حصر الهوية المغربية في خانة عربية واحدة يعني التقليل من قيمة هذا الإشعاع. فسردية وطنية مغربية معلنة، مبنية على الأمازيغية والترسخ الإفريقي والإرث الأندلسي وملكية ذات جذور عميقة، تروي قصة أكثر وفاءً لما يصبح عليه البلد فعلاً.
ما الذي يتغير فعلاً مع سردية وطنية معلنة
إن اعتماد سردية تتمحور حول المغرب بدلاً من انتماء عربي غير متمايز لا يعني إنكار جزء حقيقي من الهوية الوطنية. بل يعني إعادة ترتيب الأولويات: أولاً الأرض وسكانها ولغاتها ومصالحها، ثم التضامنات المختارة مع العالم العربي أو إفريقيا أو أوروبا، على أساس التبادل لا العقيدة التلقائية.
هذا، في نظري، هو الشرط لكي يتوقف الوطنية المغربية عن كونه بديهية مفترضة، ويصبح مشروعاً معلناً بوضوح وموثقاً ومنقولاً إلى الأجيال الجديدة.
أسئلة شائعة
هل القومية العربية غير متوافقة مع الهوية المغربية؟ ليس كلياً، لكن في نسختها المهيمنة، تميل إلى تقديم الانتماء العربي على باقي مكونات الهوية المغربية، مما يخلق توتراً حقيقياً مع سردية وطنية معلنة بالكامل.
لماذا لا تزال الأمازيغية في مؤخرة الصفوف رغم وضعها الرسمي؟ رغم ترسيمها سنة 2011، لا تزال الأمازيغية تعاني من نقص في الأساتذة المكوَّنين ومن مكانة محدودة في السمعي البصري، وهو تأخر موروث جزئياً عن رؤية طويلة الأمد تمحورت حول العربية كلغة وطنية وحيدة.
هل تخلى العالم العربي فعلاً عن المغرب في قضية الصحراء؟ ليس بشكل موحد. فبعض المنظمات ودول الخليج دعمت الرباط، بينما بقيت عواصم عربية أخرى حذرة أو متباعدة، وهو ما يفسر الشعور بتضامن عربي متفاوت وليس تلقائياً.
ماذا يتطلب بناء وطنية مغربية معلنة بالكامل؟ تعزيز تدريس الأمازيغية، تثمين تاريخ المملكة الخاص، وتبني دبلوماسية إفريقية وأطلسية معلنة، دون الاعتماد على إطار إيديولوجي واحد لتحديد الهوية الوطنية. ومثالياً، جعل الخدمة العسكرية إلزامية لكل مغربي!