في الرقعة الشطرنجية الكبرى للمتوسط الغربي، أصبح اختصار بسيط مكون من أربعة أحرف كافيًا لإثارة الرعب في هيئات الأركان وغرف الأخبار بشبه الجزيرة الإيبيرية: LORA (Long Range Artillery – مدفعية بعيدة المدى). وقد أحدث الإعلان عن التقدم الحاسم في المفاوضات بين المملكة المغربية والشركة الحكومية المصنعة Israel Aerospace Industries (IAI) لاقتناء نظام الصواريخ شبه الباليستية عالية الدقة، موجة صدمة حقيقية في إسبانيا.
من الصحف اليومية الوطنية إلى المجالات المتخصصة في الدفاع، مروراً بالقنوات الإخبارية المتواصلة، يتم استعراض الواقع بقلق جلي: لم يعد المغرب يسعى فقط إلى تحديث قواته المسلحة للحفاظ على التوازن أمام جاره الجزائري، بل إنه يتزود بقدرة ضرب عميقة وجراحية قادرة على إعادة تعريف ميزان القوى الإقليمي بالكامل.
بالنسبة للمحللين الإسبان، لا تكمن المشكلة فقط في الخصائص التقنية للصاروخ، بل فيما يمثله: القفزة النوعية المذهلة للتحالف العسكري بين الرباط وتل أبيب، والذي تم إبرامه في أعقاب اتفاقيات إبراهيم. وبينما كانت مدريد تراقب عن بعد صعود أسطول الطائرات المسيرة المغربية، فإن دخول ناقل باليستي ذو مدى إستراتيجي على الخط يؤدي إلى زلزلة عقيدة استمرت لعقود: عقيدة التفوق العسكري الإسباني المطلق على جناحها الجنوبي.
خريطة القلق: مدريد ترسم دوائر المدى
يكفي فتح صفحات الصحف الإسبانية الكبرى، مثل El Español أو El Mundo أو La Razón، لملاحظة حجم الاستياء. فعلى امتداد المقالات، تتضاعف الرسوم البيانية المسقطة لدوائر متداخلة لمسار الصاروخ الباليستي على خريطة إسبانيا انطلاقاً من شمال المغرب.
إن نظام LORA ليس مدفعية تقليدية، بل هو نظام صاروخي أرض-أرض شبه باليستي شديد الحداثة، يبلغ مدمدى رسمياً حوالي 430 كيلومتراً (يمكن أن يتجاوز 500 كم في بعض التشكيلات) وتوجهه منظومة GPS/INS مشتركة مع تصوير كهروبصري للمرحلة النهائية. وتصل نسبة الخطأ المحتمل (CEP) إلى أقل من 10 أمتار، مما يجعله أداة ضرب جراحية مخيفة ضد البنى التحتية الحيوية: القواعد الجوية، مراكز القيادة، مستودعات الذخيرة، أو المنشآت المرفئية.
[ نظام LORA (Israel Aerospace Industries) ]
│
┌────────────────┴────────────────┐
▼ ▼
المدى: ~430-500 كم الدقة: < 10 أمتار (CEP)
المسار: شبه باليستي السرعة: فرط صوتية (المرحلة النهائية)
ومن خلال رسم إشعاعات العمليات هذه انطلاقاً من القواعد العسكرية شمال المملكة (خاصة في منطقة الناظور أو تطوان)، وضع الخبراء العسكريون الإسبان تقييماً عملياتياً أثار ذعر المعلقين فوراً:
الجيبين والأراضي ذات السيادة: أصبحت سبتة ومليلية بالإضافة إلى جزر السيادة (خاصة أرخبيل جزر الحسيمة وجزر الجعفرية) تحت التهديد المباشر والفوري لضربات إغراقية، دون أي وقت استجابة متاح للحاميات العسكرية المحلية.
إقليم أندلوسيا وجنوب شبه الجزيرة: القواعد الإستراتيجية الإسبانية الكبرى، مثل قاعدة روتا البحرية (التي تستضيف الدرع الصاروخي للناتو والمدمرات الأمريكية) وقاعدة مورون دي لا فرونتيرا الجوية، تقع مباشرة ضمن نطاق التأثير المحتمل لصواريخ LORA.
قلب الأراضي الإسبانية: الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للصحافة الإيبيرية هو أن المدى الأقصى للصاروخ يسمح بالوصول إلى مدن تقع بعيداً عن ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث يطال مورسيا، إشبيلية، ثيوداد ريال، ويقترب من ضواحي إقليم مدريد.
أرخبيل جزر الكناري: إذا تم نشره من الساحل الجنوبي الغربي للمغرب، يمكن لنظام LORA تغطية كامل أراضي جزر الكناري، مما يحيد أي تفوق جزر في حالة حدوث توتر بحري أو جوي.
ومما يرعب الصحافة الإسبانية أيضاً هو طبيعة مسار LORA نفسه. فعلى عكس الصواريخ الباليستية التقليدية التي تتبع مساراً قوسياً متوقعاً، يقوم صاروخ LORA بمناورات مراوغة أثناء مرحلة طيرانه ويهبط على هدفه بسرعات فرط صوتية. وهذه القدرة تجعل من الصعب للغاية اعتراضه بواسطة أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة حالياً في إسبانيا، مثل نظام Patriot (PAC-2) أو NASAMS.
من الطائرات المسيرة إلى الصواريخ الباليستية: تحول العقيدة العسكرية المغربية
لفهم حالة الهلع لدى وسائل الإعلام الإسبانية، ينبغي تحليل السرعة التي أرت بها القوات المسلحة الملكية المغربية تغيير عقيدتها العسكرية. لسنوات طويلة، كانت النظرة الإسبانية للإمكانات العسكرية المغربية تستند إلى رؤية غير متكافئة: كان المغرب يُصنف كقوة إقليمية تركز على عقيدة مكافحة التمرد والدفاع عن وحدته الترابية في الأقاليم الجنوبية.
ومع ذلك، فإن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، تلاه توقيع اتفاقية الإطار التاريخية للتعاون الأمني في نوفمبر 2021 بين الرباط وتل أبيب، غير المعادلة بشكل لا رجعة فيه.
في غضون سنوات قليلة فقط، انتقل المغرب من منطق التجهيز القائم على اقتناء العتاد المستعمل أو الفرص المتاحة إلى إستراتيجية التكامل التكنولوجي المتطور:
السيادة في مجال الطائرات المسيرة: شكل المغرب بسرعة أحد أكثر أساطيل المسيرات تنوعاً وكفاءة في المنطقة (مسيرات Bayraktar TB2 التركية، المسيرات الانتحارية Harop و Hero-30، ومسيرات الاستطلاع والضرب Hermes 900 و Wing Loong II). وكانت هذه المرحلة الأولى تهدف إلى السيطرة على المجال التكتيكي ومراقبة الحدود.
الدفاع الجوي متعدد الطبقات: باقتناء النظام الإسرائيلي BARAK MX والنظام الصيني FD-2000B، قام المغرب بتحصين مجاله الجوي، محرماً جيرانه من فرصة تحقيق تفوق جوي سهل.
القفزة نحو الضربات الإستراتيجية العميقة: يمثل وصول صاروخ LORA تجاوزاً لمرحلة عقائدية كبرى. لا يتعلق الأمر بعد الآن بتكتيكات الميدان أو المراقبة، بل بقدرة على الردع الإستراتيجي الحقيقي. حيث يكتسب المغرب القدرة على تدمير بنى تحتية عالية القيمة على أرض الخصم بدقة متناهية، دون الحاجة إلى إقحام سلاح الجو ضد دفاعات العدو.
تطور القدرات الإستراتيجية للقوات المسلحة الملكية
─────────────────────────────────────────
المرحلة 1 : التكتيك والمراقبة ──► الطائرات المسيرة (TB2, Harop, Hermes 900)
المرحلة 2 : تحصين المجال الجوي ──► الدفاع الجوي (BARAK MX, FD-2000B)
المرحلة 3 : الردع العميق ──► الناقلات الباليستية (LORA)
هذا التحول الخاطف نحو حرب شديدة الكثافة والضربات بعيدة المدى هو ما يربك المحللين في مدريد. فقد اعتادت إسبانيا لمناصفة ثلاثة عقود على تقييم أمنها من منظور التفوق التكنولوجي المطلق لسلاح جوها (Ejército del Aire) وبحريتها (Armada). إن ظهور الصواريخ الباليستية عالية الدقة على الضفة الجنوبية يغير هذه المعادلة جذرياً، لأنه يثبت أن التكنولوجيا قادرة على تعويض العدد وتحييد التفوق البحري أو الجوي التقليدي.
العامل الإسرائيلي: تحالف صناعي وعسكري بلا محرمات
عنصر محوري آخر يغذي القلق لدى الصحافة والأوساط الأمنية الإسبانية يكمن في طبيعة الشراكة بين المغرب وإسرائيل. فبخلاف التوريدات العسكرية التقليدية من واشنطن أو باريس، والتي غالباً ما تكون مصحوبة بقيود جيوسياسية صارمة أو آجال موافقة برلمانية طويلة جداً، تتسم الشراكة المغربية الإسرائيلية بمرونة ونقل للتكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة.
بالنسبة لوسائل الإعلام الإسبانية، فإن الاتفاق مع شركة Israel Aerospace Industries ليس مجرد صفقة تجارية عادية. فالتقارير التي تفيد بإنشاء وحدات تصنيع وتجميع للمسيرات ومكونات الصواريخ مباشرة على التراب المغربي تعزز الشعور باستقلالية إستراتيجية مغربية متزايدة.
ومن خلال الشراكة مع صناعة الدفاع الإسرائيلية المشهورة بتصميم أسلحة مُجربة في ظروف القتال الحقيقية (combat-proven)، يضمن المغرب وصولاً ممتازاً إلى تكنولوجيات طليعية:
أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش من أحدث جيل.
أقمار صناعية للمراقبة عالية الدقة (مثل عقد القمر الصناعي Ofek-13 / Ofek Series المخصص لاستبدال كوكبة محمد السادس).
أنظمة مدفعية ذكية وصواريخ باليستية دقيقة.
غالباً ما يسلط كتاب الرأي الإسبان الضوء بمرارة على مفارقة الموقف: بينما تحافظ إسبانيا وجزء من الاتحاد الأوروبي على موقف دبلوماسي ينتقد أحياناً أو يتحفظ تجاه تل أبيب، تمكن المغرب من تأمين محور عسكري-صناعي إستراتيجي للغاية يتيح له تسريع إعادة تسلحه دون الارتهان للفياتو والتعطيل السياسي الأوروبي.
![]()
التداعيات السياسية في مدريد: الضغط يرتفع على قصر لامونكلوا
لم تقتصر حالة الذعر الإعلامي حول صاروخ LORA على أعمدة الصحف، بل انتقلت بسرعة كبيرة إلى النقاش السياسي الداخلي في إسبانيا، لتصبح موضوع مواجهة حادة في مجلس النواب.
هشاشة سبتة ومليلية تحت النقاش
يظل الوضع الجيوسياسي لسبتة ومليلية النقطة الحساسة لهذا القلق. فالناتو لا يضمن صراحة التغطية التلقائية لهذين الجيبين الواقعين في القارة الأفريقية بموجب المادة 5 من ميثاقه، وهي ضبابية يذكر بها المعارضة الإسبانية بانتظام (خاصة Partido Popular و VOX). إن اقتناء المغرب لصواريخ قادرة على ضرب البنى التحتية الإستراتيجية لهذه المدن في ثوانٍ معدودة يعزز الشعور بالعزلة الدفاعية لهذه الأراضي.
التشكيك في ميزانية الدفاع
تستغل الصحافة المحافظة والمتخصصة حالة صاروخ LORA للتنديد بالتأخر الذي تراكمه إسبانيا في تحديث قواتها المسلحة. وعلى الرغم من التعهدات الأخيرة بزيادة الإنفاق العسكري للوصول إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي التي يطالب بها الناتو، تعاني إسبانيا من تأخيرات مزمنة في العديد من البرامج الرئيسية:
الدفاع الصاروخي: لا تمتلك إسبانيا نظام اعتراض باليستي للطبقة العليا يضاهي نظام David’s Sling أو Arrow 3. كما أن بطاريات Patriot الحالية لديها تتطلب تحديثات مكلفة لمواجهة تهديدات من فئة LORA.
المدفعية الثقيلة والضربات العميقة: طالما افتقر الجيش الإسباني (Ejército de Tierra) لأنظمة مدفعية بعيدة المدى شبيهة بنظام HIMARS أو LORA، رغم إطلاق مشاريع للتدارك (مثل برنامج SILAM).
الدبلوماسية الإسبانية على حبل مشدود
تجد الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز نفسها بين نارين. فمن جهة، تحاول مدريد بأي ثمن الحفاظ على “المرحلة الجديدة” من علاقتها الدبلوماسية مع المغرب – والتي بدأت بعد الدعم الإسباني لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء عام 2022 – وهي مرحلة أساسية للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب وإدارة تدفقات الهجرة. ومن جهة أخرى، يفرض الضغط الإعلامي والسياسي عليها طمأنة الرأي العام القلق من رؤية الجار الجنوبي يطور قدرات ردع غير مسبوقة.
![]()
واقع جيوسياسي جديد في المتوسط الغربي
يكشف الهلع الإعلامي الإسباني حول اقتناء المغرب لصاروخ LORA عن تحول تاريخي في المفاهيم. فما تصفه الصحافة الإيبيرية بـ “الذعر” هو في الواقع إدراك متأخر لتغير لا رجعة فيه: لم يعد المغرب مجرد شريك أمني ثانوي على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، بل أصبح قوة عسكرية صاعدة ومستقلة، قادرة على فرض قواعد الردع الخاصة بها.
وبدمج صاروخ LORA في ترسانته، لا تسعى الرباط بالضرورة إلى استفزاز صراع مع جارها الشمالي. بل يندرج هدف المملكة ضمن رؤية إستراتيجية شاملة: تحصين أراضيها، فرض تفوق عسكري لا يقبل الجدال أمام منافسيها الإقليميين المباشرين، وفرض احترامها كفاعل أساسي في حوض البحر الأبيض المتوسط والأطلسي.
وأمام هذه الديناميكية، تجد إسبانيا نفسها مواجهة لمفارقاقها الخاصة. إذ يتوجب عليها إعادة تعلم الحوار مع جار مغربي يمتلك الآن قدرات مدفعية باليستية عالية الدقة، مع إعادة تقييم خياراتها الخاصة في مجال الدفاع الوطني بشكل عاجل. وشيء واحد مؤكد: إن زمن إملاء التوازن العسكري في المتوسط الغربي حصرية من العواصم الأوروبية قد انتهى بلا رجعة.