يهدف الاتفاق إلى وضع اللبنات الأولى لصناعة بحرية مغربية، قادرة على المدى البعيد على تصميم وإنتاج سفنها ومستشعراتها وبعض معدات الحرب الإلكترونية. أقرأه هنا بوصفه إشارة استراتيجية أكثر منه مجرد إعلان عن تعاون.
اتفاق ثلاثي بثلاثة أدوار متمايزة
أول ما لفت انتباهي هو توزيع المهام، الذي يكشف الكثير عن فلسفة الاتفاق. فكل شريك يقدّم ما يفتقر إليه الآخران.
تتولى «مغرب ستيل» إنتاج السبائك المعقدة، المخصصة خصوصاً لهياكل السفن. وتقود جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) البحث، بدءاً من تصميم مواد الجيل الجديد وصولاً إلى تطوير المستشعرات البحرية وأنظمة الكشف المتقدمة. أما «نافال غروب» فتقدّم خبرة عسكرية مشهود لها في مجالات حساسة: الرادار والسونار والحرب الإلكترونية.
- المواد والمعادن: مغرب ستيل (إنتاج السبائك)
- البحث والتطوير: UM6P (المواد، المستشعرات، الكشف)
- الخبرة العسكرية: نافال غروب (الرادار، السونار، الحرب الإلكترونية)
هذه البنية ليست عادية. فهي تضع البحث والإنتاج على التراب المغربي، في حين يكتفي عقد التسلح التقليدي باستيراد منتج جاهز. وأرى فيها الفرق بين شراء فرقاطة وتعلّم بنائها.
![]()
الجامعة، أداة جديدة للسيادة
لم تعد UM6P مجرد حرم جامعي. فقد فرضت نفسها تدريجياً أداةً للسياسة الصناعية والتكنولوجية للمملكة. وهي منخرطة أصلاً في مشاريع تتعلق بالدفاع والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الفضائية، ويمدّد الاتفاق مع «نافال غروب» هذا التوجه.
إن إسناد هذا الشق إلى جامعة بحثية، بدل صناعي واحد، ليس خياراً محايداً. فهو يتيح بناء كفاءات مستدامة وتكوين المهندسين وإنتاج ملكية فكرية محلية. وهي عناصر لا يعدو نقل التكنولوجيا من دونها أن يكون وعداً على الورق.
غير أنني أبقى حذراً في نقطة واحدة. فالبحث في المواد والمستشعرات عمل طويل النفس، وتُقاس آجال هذا النوع من البرامج بالسنوات، وأحياناً بالعقود. وسيتعين انتظار النماذج الأولية الأولى، أو على الأقل محطات معلنة، لقياس المدى الحقيقي للاتفاق.
![]()
ملف حوض بناء السفن في الدار البيضاء
في الكواليس، يبقى ملف أثقل مفتوحاً: ملف حوض بناء السفن المرتقب في الدار البيضاء. فبحسب معلومات تتداولها الصحافة المتخصصة، يتنافس مرشحان هما الكورية الجنوبية «هيونداي» والفرنسية «نافال غروب». وأذكّر بأن هذه المعطيات مصدرها وسائل إعلام، وبأن السلطات المغربية لم تحسم الأمر علناً، حسب علمي.
ويُقال إن المعيار الحاسم سيكون نقل الكفاءات. فالرباط لا تبحث عن متعاقد يبني سفناً على أراضيها ثم يرحل، بل عن شريك مستعد للتكوين ونقل المعرفة وإدماج المناولين المحليين.
أما باريس، فيُقال إنها عززت دعمها لـ«نافال غروب». وتستند المجموعة الفرنسية إلى عدة أوراق رابحة:
- علاقة طويلة الأمد مع البحرية الملكية، التي تشغّل أصلاً فرقاطة فرنسية التصميم من طراز FREMM؛
- حضور قوي في أنظمة القتال والمستشعرات، ينسجم مع الاتفاق الثلاثي؛
- الدعم السياسي لدولة شريكة تاريخية للمملكة.
وتتمتع «هيونداي» من جهتها بسمعة راسخة في بناء السفن المدنية والعسكرية على نطاق واسع، وبقدرة صناعية قلّ من يضاهيها. وبالتالي فالمفاضلة لا تقتصر على خيار تقني، بل تنطوي أيضاً على تموضع دبلوماسي.
![]()
ما الذي سيتيحه حوض بناء السفن في الدار البيضاء
من شأن بنية تحتية بحرية بحجم كبير أن تمنح المغرب إمكانية بناء زوارق دورية وفرقاطات خاصة به، وأن يفكر، في أفق أبعد بكثير، في برامج أكثر تعقيداً، وصولاً إلى الغواصات. وأؤكد أن هذا الأفق الأخير يظل افتراضياً: فهو يتطلب ارتقاءً كبيراً في الكفاءات واستثمارات ضخمة وسلسلة إمداد لا يملكها البلد بعد.
وتتجاوز الفائدة المجال الدفاعي وحده. فحوض بناء السفن يخلق وظائف مؤهلة ويدفع بالمناولة الصناعية إلى الأعلى، ويمكن أن يُستخدم أيضاً في إصلاح السفن المدنية وصيانتها. وبالنسبة إلى بلد له واجهتان بحريتان وميناء مثل طنجة المتوسط، فإن الحجة الاقتصادية تزن بقدر الحجة العسكرية.
من تأمين السواحل إلى الإسقاط الإقليمي
الدافع المعلن هو تأمين السواحل المغربية. لكن الطموح يبدو أوسع. فالمملكة تسعى أيضاً إلى توسيع حضورها في غرب إفريقيا، حيث تتكاثر مبادراتها الدبلوماسية والاقتصادية، لا سيما حول الولوج إلى المحيط الأطلسي لدول الساحل.
وهنا يتغير طابع الملف. فالتحكم في الممرات البحرية أو تأمينها يعني امتلاك ورقة ضغط في المفاوضات الدولية. وتصبح القوة البحرية أداة نفوذ بقدر ما هي أداة ردع. وفي هذه القراءة، لا تشكل الصناعة البحرية غاية في حد ذاتها، بل تخدم مشروعاً أوسع: مغرب يريد الدفاع بنفسه عن مصالحه وأن يصبح فاعلاً لا غنى عنه في اللوجستيك البحري الإقليمي.
![]()
ما يقوله هذا الاتفاق عن العلاقة المغربية الفرنسية
أقرأ هذا الاتفاق أيضاً كرسالة موجهة إلى باريس. فالمغرب يُنوّع منذ سنوات موردي أسلحته، متوجهاً نحو الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وشمال أوروبا. واختيار فرنسا لمكوّن صناعي بهذه الحساسية يظل دليل ثقة، لكنها ثقة مشروطة: على الشريك أن يقبل بالنقل، لا بالبيع فقط.
وهذا هو معنى عنواني. فالمملكة لا تسعى إلى تبعية إضافية، ولو كانت ودية. إنها تضع شروطها: توطين الإنتاج، والتكوين، وإشراك الفاعلين الوطنيين. وبالنسبة إلى فرنسا، الرهان كبير. فقبول هذه الشروط يعني الحفاظ على علاقة استراتيجية، ورفضها يعني ترك الساحة لمنافسين مثل كوريا الجنوبية.
عقبات لا ينبغي الاستهانة بها
سيكون من التسرع تقديم هذه الشراكة على أنها أمر محسوم. فهناك عدة تحديات تلوح في الأفق:
- الزمن الطويل: تُبنى الصناعة البحرية على مدى عقود، لا على مدى ولاية واحدة.
- المنظومة الصناعية: يلزم نسيج من المناولين والموردين ويد عاملة متخصصة.
- التمويل: البرامج البحرية من بين الأكثر كلفة في قطاع الدفاع.
- المنافسة: قوى أخرى راسخة أصلاً في المتوسط والأطلسي.
وتبقى أخيراً مسألة الملكية الفكرية، وهي في الغالب نقطة الاحتكاك الحقيقية في اتفاقيات نقل التكنولوجيا. من سيملك براءات الاختراع الناتجة عن البحث المشترك؟ وإلى أي حد ستقبل «نافال غروب» بتقاسم معارف حساسة؟ هذه التفاصيل، التي نادراً ما تُعلن، هي التي ستحدد حقيقة الاتفاق.
حجر أساس، لا بناء مكتملاً بعد
خلاصة القول، إن هذه الشراكة الثلاثية حجر أساس منسجم مع رؤية أوسع. فهي تُظهر مغرباً يريد أن يبني ويبتكر ويتحكم في مكونات تكنولوجية حاسمة. لكنها لا تضمن وحدها قيام صناعة بحرية متكاملة.
السؤال الحقيقي هو سؤال الإيقاع. هل ستؤتي هذه الشراكة ثمارها قبل أن تحكم قوى أخرى إغلاق اللعبة البحرية في شمال إفريقيا؟ سيتوقف الجواب على القدرة على تحويل الطموحات إلى كفاءات، والكفاءات إلى أحواض بناء، في السنوات المقبلة، أكثر مما يتوقف على التوقيعات.
الأسئلة الشائعة
من هم شركاء هذا الاتفاق؟
جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وشركة الصلب «مغرب ستيل»، والمجموعة الفرنسية «نافال غروب» المتخصصة في بناء السفن العسكرية.
ماذا تنص عليه الشراكة بالتحديد؟
تهدف إلى تطوير مواد من الجيل الجديد لهياكل السفن، ومستشعرات بحرية، وأنظمة كشف متقدمة، مع توزيع واضح للأدوار بين الإنتاج والبحث والخبرة العسكرية.
هل حُسم أمر حوض بناء السفن في الدار البيضاء؟
ليس على حد علمي. فبحسب الصحافة، تتنافس «هيونداي» و«نافال غروب»، ويُقال إن نقل الكفاءات هو المعيار المركزي. ولم يتأكد أي قرار علني.
هل سيتمكن المغرب من بناء غواصات؟
إنه أفق بعيد جداً وافتراضي. فهو يتطلب ارتقاءً كبيراً في الكفاءات والاستثمار.