أطلقت وزارة التربية الوطنية المغربية وسفارة الولايات المتحدة و«LOOP for Science & Technology» في الرباط القافلة الوطنية للروبوتيك Route 250. على الورق، هو برنامج لتكوين الأساتذة. لكن عند التمعّن فيه أكثر، أرى فيه أيضاً إشارة دبلوماسية، وهذا ما دفعني إلى التوقف عنده.
قافلة لتكوين الأساتذة قبل التلاميذ
يتميّز المشروع بطموح واضح من حيث التغطية. فحسب المعطيات المقدَّمة خلال حفل الإطلاق، ستشمل Route 250 الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين الاثنتي عشرة، إضافة إلى نحو عشرين مديرية إقليمية. وستُنظَّم الورشات في المراكز الجهوية والإقليمية للتكوين.
الفئة المستهدفة تستحق التوقف عندها: أساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي، وليس التلاميذ مباشرة. وأراه اختياراً حكيماً. فتكوين أستاذ واحد يضاعف الأثر على مئات التلاميذ عبر السنوات، بينما تبقى ورشة عابرة للتلاميذ حدثاً معزولاً.
![]()
ستتمحور التكوينات حول ثلاثة محاور:
- البرمجة، للتعرّف على منطق كتابة الشيفرة؛
- الروبوتيك، باعتباره أداة بيداغوجية ملموسة؛
- أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنها Gemini، وهندسة الأوامر (prompts).
وسيشرف على هذه الجلسات مكوّنون معتمدون، بهدف معلن: جعل التعلّم أكثر تفاعلية، وتحفيز الإبداع، وتنمية القدرة على حل المشكلات.
لا بد من توضيح في المصطلحات. فالبلاغ يتحدث عن «الذكاء الخارق» (superintelligence) للإشارة إلى هذه الأدوات. وبالنظر إلى مضمون الورشات (Gemini، الأوامر)، فالأمر يتعلق في الواقع بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وليس بالذكاء الخارق بالمعنى الذي يعطيه الباحثون لهذا المصطلح، أي ذكاء اصطناعي يتجاوز القدرات البشرية. وهذا الفارق ليس هيّناً بالنسبة إلى القارئ.
![]()
الأطراف الثلاثة وأدوارها
تقوم الشراكة على توازن تقليدي إلى حد بعيد. فالوزارة توفّر الإطار المؤسساتي والولوج إلى الشبكة المدرسية. وتوفّر «LOOP for Science & Technology» الخبرة الميدانية، لا سيما عبر نواد تكنولوجية موازية للدراسة يتعرّف فيها الأساتذة والتلاميذ على الروبوتيك. أما سفارة الولايات المتحدة فتقدّم الدعم والبعد الدولي.
وأوضحت إلهام لعزيز، مديرة الموارد البيداغوجية والرقمية بالوزارة، أن القافلة ستتيح إدماج التفكير الحاسوبي والذكاء الاصطناعي في تكوين الأساتذة. وهي تندرج، بحسبها، ضمن الاستراتيجية الرقمية للوزارة. وهذه في نظري أهم نقطة: فالمبادرة لا تأتي مفروضة من الخارج، بل تسعى إلى الاندماج في سياسة تربوية وطنية.
البعد الدبلوماسي لمشروع Route 250
وصرّح بنجامين زيف، القائم بالأعمال الأمريكي، بأن هذا المشروع يعكس قروناً من العلاقات الثنائية، وسيفتح فرصاً جديدة أمام الشباب المغربي، مع تعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
اسم البرنامج نفسه رسالة. فـRoute 250 يحيل إلى الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة. كما يذكّر بأن المغرب كان، سنة 1777، أول بلد اعترف باستقلال أمريكا. ومن الواضح أن واشنطن اختارت تحويل هذا الإرث التاريخي إلى رافعة للدبلوماسية العمومية.
أقرأ ذلك بوصفه مثالاً على القوة الناعمة (soft power): التأثير عبر التعليم والتكوين والتكنولوجيا بدل الأدوات العسكرية أو الاقتصادية التقليدية. وفي حوض متوسطي تتكاثر فيه عروض التعاون من القوى المختلفة، يُعدّ الاستثمار في الكفاءات الرقمية للأساتذة رهاناً بعيد المدى.
![]()
مسابقة في الروبوتيك كواجهة
وقد أدخلت السفارة كذلك إلى المغرب المسابقة الأمريكية FIRST Robotics Competition (FRC). وفي موسمه الأول، فاز فريق Matrix بجائزة Rookie All-Star Award، وهي جائزة مخصصة للفرق المبتدئة. ويستفيد فريقان مغربيان آخران هذه السنة من دعم السفارة لتطوير مهاراتهما في الروبوتيك والهندسة والابتكار.
لهذه المسابقات أثر مزدوج. فهي تخلق روح التنافس بين الشباب، وتُعرّف المشاركين في الوقت نفسه على المنظومة التكنولوجية الأمريكية. فالأدوات والمعايير والشبكات تنتقل مع المسابقة.
الرهانات والأسئلة المفتوحة
لا أريد الانزلاق إلى حماس سهل. فثمة أسئلة عدة تظل مطروحة، والبلاغ لا يجيب عنها.
- الحجم الفعلي: كم عدد الأساتذة الذين سيتلقون التكوين، وعلى امتداد أي مدة، وبأي ميزانية؟ على حد علمي، لم يُعلن أي رقم.
- المتابعة: هل ستترك القافلة كفاءات دائمة أم مجرد أثر إعلاني؟ كل شيء سيتوقف على التجهيزات المتوفرة في المؤسسات بعد مغادرة المكوّنين.
- الاستقلال التكنولوجي: يطرح استعمال أدوات أمريكية مثل Gemini مسألة الاعتماد على منصات أجنبية، وهو نقاش يتقاسمه المغرب مع بلدان كثيرة.
- العدالة المجالية: هل ستستفيد المدارس القروية، وهي غالباً الأقل تجهيزاً، بقدر ما تستفيد المراكز الحضرية؟
في المقابل، يرى أنصار هذا النوع من الشراكات أن بلداً يمرّ بمرحلة تحديث رقمي يربح من الاستناد إلى الخبرات الدولية بدل انتظار بناء كل شيء بمفرده. والقراءتان وجيهتان، والتنفيذ هو الذي سيحسم.
![]()
قراءتي
ما يلفت انتباهي هو اجتماع ثلاثة مجالات في مشروع واحد: التربية والتكنولوجيا والدبلوماسية. فـRoute 250 ليس اتفاقية دفاع ولا صفقة تسلح، لكنه يندرج ضمن المنطق نفسه للتقارب الاستراتيجي بين الرباط وواشنطن، عبر مسار أكثر هدوءاً وأقرب إلى عامة الناس.
وأعتقد قبل كل شيء أن الاختبار الحقيقي لن يكون حفل الإطلاق. بل سيجري داخل الفصول الدراسية، حين يستعمل أستاذ الإعدادي، أو لا يستعمل، ما تعلّمه لتغيير ممارسته. فإن فعل، تكون القافلة قد وفت بوعدها. وإلا، فستبقى رمزاً جميلاً لا أكثر.
الأسئلة الشائعة
ما هو مشروع Route 250؟
هو قافلة وطنية للروبوتيك أُطلقت في 27 أكتوبر بالرباط من قِبل وزارة التربية الوطنية المغربية وسفارة الولايات المتحدة و«LOOP for Science & Technology»، لتكوين الأساتذة في البرمجة والروبوتيك والذكاء الاصطناعي التوليدي.
من المعنيّ بالتكوينات؟
أساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي، في الأكاديميات الجهوية الاثنتي عشرة ونحو عشرين مديرية إقليمية.
لماذا اسم Route 250؟
لأنه يحيل إلى الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة، وإلى كون المغرب أول بلد اعترف بهذا الاستقلال سنة 1777.
ما هي FIRST Robotics Competition؟
هي مسابقة أمريكية في الروبوتيك أدخلتها السفارة إلى المغرب. وقد فاز فيها فريق Matrix بجائزة Rookie All-Star Award في موسمه الأول.