أتابع هذه الملفات عن قرب منذ سنوات، وما ألاحظه هو تحول تدريجي ومقصود يمس الاقتصاد والدفاع والثقة الدبلوماسية في آن واحد. يشرح هذا المقال لماذا يكتسب هذا التوجه نحو المحيط معناه، وأين وصل فعلياً سنة 2026، وما هي الحدود التي يجب استحضارها قبل الاحتفال بالنصر بسرعة زائدة.
نقطة الانطلاق كانت خطاباً ألقاه الملك محمد السادس في نونبر 2023، بمناسبة الذكرى السنوية للمسيرة الخضراء. وضع فيه أسس المبادرة الأطلسية الهادفة إلى منح مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد منفذاً إلى المحيط عبر التراب المغربي. بعد ثلاث سنوات، تجاوزت هذه الرؤية مرحلة الخطابات بكثير: فهي اليوم تُشكّل هيكل الدبلوماسية الاقتصادية للمملكة، وتعيد رسم أولوياتها الجغرافية.
لماذا يصبح المحيط الأطلسي البوصلة الجديدة للمغرب
لعقود طويلة، كان المحور الطبيعي للمغرب هو الشمال. فقد استحوذت إسبانيا وفرنسا لفترة طويلة على الجزء الأكبر من المبادلات التجارية والاستثمارات وتدفقات الهجرة. هذا الرابط يبقى حقيقياً، ولا أحد يدّعي أنه سيختفي بين عشية وضحاها. لكن هناك إعادة توازن جارية، تغذيها عدة عوامل متقاربة سأتناولها واحداً تلو الآخر.
أولاً، يمر الاتحاد الأوروبي بمرحلة تقشف ميزانياتي يمس مباشرة شركاءه في الجنوب. فقد تم تخفيض الأغلفة الأوروبية الموجهة للدول المجاورة برسم الفترة 2025-2027، بانكماش معلن يقارب 35 في المائة، بعدما خفضت عدة دول أعضاء، من بينها فرنسا وألمانيا، مساهماتها. في هذا السياق، يصبح الاعتماد الحصري على سخاء ميزانية بروكسل رهاناً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لبلد يحتاج إلى تمويل مستقر على المدى الطويل.
ثم هناك لحظة القطيعة التي عاشتها سنة 2021، عندما قررت الرباط، في غضون أسابيع قليلة، تجميد أو تقليص اتصالاتها الدبلوماسية مع ثلاثة أوزان ثقيلة أوروبية هي فرنسا وإسبانيا وألمانيا. تركت هذه الحادثة أثراً واضحاً. فقد أظهرت أن العلاقة مع أوروبا يمكن أن تتغير فجأة تبعاً لأزمات ثنائية أو قرارات قضائية أو حسابات سياسية داخلية في العواصم الأوروبية. شريك بهذا القدر من عدم القابلية للتنبؤ لا يمكن أن يبقى الأفق الاستراتيجي الوحيد لبلد يملك طموحات قارية.
أوروبا تبقى شريكاً، لكنها لم تعد الأفق الوحيد
سيكون من غير الأمانة الادعاء بأن العلاقة المغربية الأوروبية آخذة في الانهيار. الأمر ليس كذلك. ففي بداية 2026، واءم الاتحاد الأوروبي موقفه مع موقف المغرب بخصوص ملف الصحراء، ووقّع البنك الأوروبي للاستثمار مستوى قياسياً من التمويلات سنة 2025، هو الأعلى منذ 2012. الشراكة إذن ما زالت تُحقق نتائج ملموسة. لكن تحقيق النتائج لا يعني ضمان المستقبل. وبما أن هذه الشراكة تبقى مفيدة دون أن تكون مضمونة تماماً، فإن التنويع يتحول إلى ضرورة استراتيجية وليس نزوة دبلوماسية.
أعتقد بصدق أن المغرب محق في الحفاظ على الطرفين معاً: الاحتفاظ بأوروبا كشريك اقتصادي ثقيل الوزن، مع بناء روافع نمو في أماكن أخرى لا ترتبط بمزاج بروكسل. هذا بالضبط ما تكشفه، في رأيي، العقيدة الإفريقية للمملكة كما تبلورت خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
المصلحة الاقتصادية من التحول نحو الأطلسي
المحرك الأول لهذا التوجه هو الاقتصاد بطبيعة الحال. فالمغرب لا يملك فقط واجهة بحرية أطلسية، بل يتوفر على موقع جغرافي فريد: نقطة وصل بين أوروبا وغرب إفريقيا والقارة الأمريكية، بموانئ قادرة على استيعاب تدفقات لوجستية ضخمة.
يجسد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي هذا الأمر بشكل ملموس. هذا الورش الذي تبلغ تكلفته 1.2 مليار يورو، والذي انطلق في نهاية 2021 بمنطقة العرقوب، من المرتقب أن يدخل الخدمة حوالي سنة 2028، ويطمح إلى أن يصبح قطباً لوجستياً رئيسياً للواجهة الغربية الإفريقية بأكملها. لا يتعلق الأمر بميناء جهوي بسيط، بل بقطعة أساسية في منظومة مصممة لربط منطقة الساحل بالمحيط دون المرور عبر الطرق التقليدية نحو الشمال.
يضاف إلى ذلك مشروع أكثر طموحاً، وهو أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يقوده المغرب ونيجيريا معاً. تم توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية خلال قمة الإيكواس المنعقدة في فريتاون في يوليوز 2026، مع تمويل معبأ بالفعل من فاعلين كالإمارات العربية المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية وصندوق الأوبك، بل وحتى البنك الأوروبي للاستثمار. من المفترض أن يربط هذا الممر الطاقي نيجيريا بالمغرب عبر حوالي اثني عشر بلداً ساحلياً، ما سيغيّر بشكل دائم خريطة الطاقة في غرب إفريقيا.
وهذه، من وجهة نظري، أبرز الروافع الاقتصادية لهذا التحول الأطلسي:
- ولوج مباشر إلى أسواق غرب إفريقيا عبر ممرات برية ومينائية تتجاوز المسارات الأوروبية التقليدية
- تنويع الشركاء الماليين، مع دخول رساميل خليجية وصناديق إفريقية ومؤسسات متعددة الأطراف غير أوروبية
- تنمية صناعية لجنوب المغرب، حيث تتحول الداخلة والعيون إلى واجهة لوجستية بدل أن تظلا منطقة هامشية
- موقع رأس جسر بالنسبة للمستثمرين الراغبين في الولوج إلى الدول الإفريقية الثلاث والعشرين المطلة على الأطلسي
- تقليص التبعية لدورات اقتصادية أوروبية، ارتبطت تاريخياً بشكل وثيق بظرفية منطقة اليورو
ما ألاحظه بشكل خاص هو أن المغرب لا يسعى إلى استبدال أوروبا بإفريقيا، بل يسعى إلى التوقف عن الاعتماد على سوق واحدة. إنه منطق تنويع المحفظة، وليس منطق القطيعة.
الدور المحوري لمنطقة الساحل في هذه المعادلة
يُعد فك العزلة عن منطقة الساحل بلا شك القطعة الأكثر طموحاً في هذا اللغز. فمالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد دول حبيسة اعتمدت تاريخياً على طرق تجارية طويلة ومكلفة. ومن خلال منحها ولوجاً مباشراً إلى الأطلسي عبر التراب المغربي، تضع الرباط نفسها كـشريك لا غنى عنه بدل أن تكون مجرد جار شمال إفريقي.
تترافق هذه الاستراتيجية مع دبلوماسية نشيطة: ففي يوليوز 2026، أسفر اجتماع اللجنة المشتركة المغربية المالية في باماكو عن إحدى وعشرين اتفاقية تغطي مجالات قطاعية وإدارية وقضائية. لم يعد الأمر تعاوناً رمزياً، بل ورشات ملموسة تتقدم، رغم سياق أمني جهوي معقّد بفعل وجود جماعات جهادية نشطة في منطقة الساحل والصحراء.
المصلحة العسكرية والأمنية من الارتكاز الأطلسي
غالباً ما يُقلَّل من شأن البعد الأمني لهذا التحول في التحليلات المتداولة، رغم أنه يكتسي أهمية بالغة. فقد بُني التعاون العسكري للمغرب تاريخياً بشكل كبير حول شركاء أوروبيين وأمريكيين تقليديين، ضمن توازنات موروثة عن الحرب الباردة والعلاقة ما بعد الاستعمارية مع فرنسا.
تفتح الواجهة الأطلسية فضاءً جديداً للتعاون الأمني مع الدول الإفريقية الثلاث والعشرين المطلة على المحيط. الأمر لا يتعلق فقط بالتجارة، بل يمس أيضاً المراقبة البحرية ومكافحة القرصنة وتأمين الممرات الطاقية والتنسيق لمكافحة الإرهاب في مواجهة تهديد جهادي متصاعد في الساحل. فبلد قادر على إسقاط حضوره على هذه الواجهة يصبح بحكم الواقع فاعلاً أمنياً من الدرجة الأولى، وليس مجرد امتداد للأولويات الأمنية الأوروبية.
هذا الاستقلال الاستراتيجي مهم أيضاً بالنسبة للتوازنات الداخلية الإفريقية. فمن خلال توطيد علاقات ثنائية متينة مع دول كنيجيريا، أول قوة اقتصادية في القارة، أو مع تحالف دول الساحل، يمنح المغرب نفسه وسائل للتأثير في المفاوضات الجهوية دون انتظار موافقة شركائه الأوروبيين أو الاعتماد الحصري على عقيدتهم الدفاعية.
علاقة أمريكية متغيرة تضيف بُعداً آخر
تجدر الإشارة أيضاً إلى الوزن المتنامي للعلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بملف الصحراء. هذه العلاقة، التي بُنيت جزئياً بشكل مستقل عن الاتحاد الأوروبي، توضح جيداً كيف ينوّع المغرب تحالفاته الأمنية خارج الدائرة الأوروبية وحدها. رأيي، بعد متابعة هذه الملفات لسنوات، هو أن هذا التعدد في التحالفات يعزز هامش المناورة الدبلوماسي للمملكة بدل أن يضعفه.
الثقة، عامل يُهمَل كثيراً
يُتحدث كثيراً عن الاقتصاد والأمن، لكن الثقة ربما تكون العنصر الأكثر حسماً في هذا التحول الأطلسي. فالعلاقة الدولية المتينة لا ترتكز فقط على أرقام المبادلات التجارية، بل ترتكز على قابلية التنبؤ بسلوك الشريك المقابل.
أظهر التاريخ القريب أن بعض الشركاء الأوروبيين قادرون على تصليب العلاقة الثنائية فجأة لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، سواء تعلق الأمر بتوترات هجروية أو نزاعات قضائية أو إجراءات تجارية دفاعية، كالرسوم التعويضية التي فُرضت سنة 2025 على بعض صادرات المغرب من عجلات الألومنيوم. هذا النوع من القرارات، وإن كان محدود الحجم، يبعث برسالة واضحة: العلاقة يمكن أن تتشدد دون سابق إنذار، تبعاً لمنطق داخلي بحت في بروكسل أو في هذه العاصمة أو تلك.
في المقابل، غالباً ما ترتكز الشراكات المبنية مع دول الجنوب العالمي أو الخليج أو غرب إفريقيا على منطق تبادلية أكثر مباشرة، دون الطبقات البيروقراطية والمشروطيات السياسية التي تميّز أحياناً العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. ليس هذا حكماً أخلاقياً، بل ملاحظة عملية: كلما تعددت مستويات اتخاذ القرار لدى الشريك، كلما أصبحت العلاقة أبطأ وأكثر عرضة للتقلبات المفاجئة.
أعتقد أن هذا البحث عن استقرار في العلاقات، أكثر من كونه رفضاً لأوروبا في حد ذاتها، هو ما يفسر جوهر هذه الاستراتيجية الأطلسية. المغرب لا يدير ظهره لأوروبا بدافع أيديولوجي، بل يسعى إلى التوقف عن كونه رهينة لعلاقة واحدة.
ما يغيّره هذا التوجه فعلياً بالنسبة للمغرب
على أرض الواقع، يترجم هذا التحول بالفعل إلى عدة تطورات ملموسة أتابعها منذ سنوات:
- تصاعد الاستثمارات المغربية في غرب إفريقيا، حيث أصبحت المملكة من أوائل المستثمرين في المنطقة
- تكاثر الاتفاقيات الثنائية مع دول الساحل، متجاوزةً القمم البروتوكولية البحتة
- إعادة تموقع جنوب المغرب، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمنطقة هامشية، ليصبح منصة لوجستية قارية حقيقية
- تنويع مصادر التمويل، مع حضور متنامٍ لرساميل خليجية ومؤسسات إفريقية
- دبلوماسية أكثر جرأة، تتفاوض اليوم على عدة جبهات في آن واحد بدل الاعتماد على كتلة مرجعية واحدة
هذه النقطة الأخيرة تبدو لي الأهم. فالبلد الذي يتفاوض على عدة جبهات يملك آلياً أوراق ضغط أكثر من بلد يعتمد على شريك واحد في معظم مبادلاته وأمنه وتمويله.
الحدود والفروق الدقيقة التي يجب استحضارها
سيكون من المبالغة تقديم هذا التحول الأطلسي كقطيعة كاملة مع أوروبا، وأعتقد أنه يجب مقاومة إغراء الرواية المفرطة في الحسم. عدة عناصر تُنسّب هذه الصورة.
أولاً، يبقى الاتحاد الأوروبي، وبفارق كبير، الشريك التجاري الأول للمغرب، بتدفقات مبادلات واستثمار مباشر وتحويلات مالية لا مثيل لها في باقي القارة الإفريقية على المدى القريب. ويؤكد ذلك التمويل القياسي الذي وقّعه البنك الأوروبي للاستثمار سنة 2025: فأوروبا لا تزال تستثمر بكثافة في المملكة.
ثانياً، يرتبط أمن الممر الساحلي مباشرة باستقرار سياسي وعسكري لمنطقة تتسم بعدم استقرار جهادي متواصل. فأفضل مشاريع البنية التحتية يمكن أن تتباطأ، بل وتتعطل، إذا تجددت أعمال العنف على المحاور المعنية. لا يتعلق الأمر بتفصيل تقني بسيط، بل بشرط بنيوي لنجاح المشروع.
أخيراً، يتطلب هذا التنويع وقتاً. فميناء كالداخلة الأطلسي لن يدخل الخدمة قبل حوالي 2028، ومشروع بثقل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يُقاس بالعقود وليس بالسنوات. فالتحول نحو الأطلسي إذن حركة بنيوية عميقة، وليس انقلاباً فورياً يجعل أوروبا غير ذات أهمية بين عشية وضحاها.
رأيي، بعد متابعة هذا الملف عن قرب، هو أن المغرب يلعب بذكاء ورقة التنويع لا ورقة القطيعة. وهذا الفارق الدقيق هو، في نظري، ما يميّز استراتيجية مستدامة عن مجرد عنوان جيوسياسي عابر.
أسئلة شائعة حول الاستراتيجية الأطلسية للمغرب
هل سيقطع المغرب علاقاته مع الاتحاد الأوروبي؟ لا، لا شيء يشير إلى قطيعة. فأوروبا تبقى الشريك التجاري والمالي الأول للمملكة، مع استثمارات قياسية وُقّعت مؤخراً. تهدف الاستراتيجية الأطلسية إلى تنويع الشراكات، وليس قطع الجسور مع الشمال.
ما هي المبادرة الأطلسية التي أعلن عنها المغرب؟ هي مشروع أطلقه الملك محمد السادس في نونبر 2023، يهدف إلى منح دول الساحل الحبيسة ولوجاً إلى المحيط الأطلسي عبر ممرات لوجستية مغربية، مرفقاً ببنى تحتية مينائية كميناء الداخلة الأطلسي المستقبلي.
ما هو دور أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب في هذه الاستراتيجية؟ يُفترض أن يربط أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يقوده المغرب ونيجيريا معاً، بين البلدين عبر عدة دول ساحلية في غرب إفريقيا. ويجسد هذا المشروع البعد الطاقي للتحول الأطلسي، بتمويل دولي معبأ بالفعل.
هل يضعف هذا التحول الأطلسي موقف المغرب تجاه أوروبا؟ على العكس تماماً. فمن خلال تعدد شركائه الاقتصاديين والأمنيين والماليين، يقلّص المغرب اعتماده على كتلة واحدة، ويكسب هامش مناورة أكبر في مفاوضاته مع بروكسل.