وفقًا لتحليل نشرته يوم الاثنين منصة «ذا كونفرسيشن» (The Conversation) الأمريكية للمعلومات والتحليل، فإن المملكة في موقع مثالي لتصبح قطبًا عالميًا كبيرًا لإنتاج السيارات الكهربائية. هذه القراءة جديرة بالتمعّن، لأنها تمسّ أحد أكبر التحولات الصناعية في هذا العقد.
لماذا يستحق هذا التحليل الاهتمام
لا يقتصر الانتقال إلى التنقل الكهربائي على تغيير نوع المحرك. فهو يعيد رسم جغرافيا الإنتاج: الوصول إلى المعادن، والقرب من الأسواق، وكلفة الطاقة، والاتفاقيات التجارية. وفي هذه اللعبة الجديدة، تحصل الدول القادرة على الجمع بين هذه العوامل على أفضلية دائمة.
ترى «ذا كونفرسيشن» أن بروز المغرب في هذا القطاع «ليس وليد الصدفة». وتعزوه إلى اجتماع مزايا جغرافية وجيوسياسية وموارد طبيعية فريدة. أجد الحجة سليمة من حيث المبدأ، وإن كانت تستدعي بعض التحفظات التي أعرضها لاحقًا.
طنجة المتوسط، بوابة لوجستية
أول الأصول المذكورة هو البنية التحتية. يبرز التحليل ميناء طنجة المتوسط، الموصوف بأنه أكبر ميناء في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط. وقوته لا تكمن في حجمه بقدر ما تكمن في تكامله: فهو مرتبط مباشرة بمناطق صناعية عمومية كبرى صُممت لخدمة مصنّعي السيارات ومورّديهم.
بالنسبة إلى الصناعي، يغيّر هذا القرب أشياء كثيرة. فالقطع تصل، والسيارات تغادر نحو أوروبا في ساعات قليلة عبر البحر، وتنخفض الكلفة اللوجستية. وفي قطاع تُحسم فيه القدرة التنافسية غالبًا بنقاط قليلة من الهامش، فهذا ليس تفصيلًا ثانويًا.
نفاذ تفضيلي إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية
الحجة الثانية هي الدبلوماسية التجارية. فقد أبرم المغرب اتفاقيات للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، وهو، وهذا أمر نادر، وفق المقال البلد الوحيد في شمال إفريقيا الذي يرتبط باتفاق من هذا النوع مع الولايات المتحدة. وتمنحه هذه النصوص نفاذًا تفضيليًا إلى سوقين من أكبر أسواق السيارات في العالم.
أرى في ذلك ميزة استراتيجية حقيقية، لكنها أيضًا تبعية. فالصناعي الذي يستقر في المغرب يراهن على استقرار هذه الاتفاقيات. غير أن قواعد التجارة الدولية تتغير بسرعة، وقد تقلب الحوافز الأمريكية المرتبطة بمنشأ البطاريات أو المكوّنات المعادلة من سنة إلى أخرى. إنها نقطة ينبغي مراقبتها.
![]()
الفوسفاط والكوبالت، خريطة الموارد
الأصل الثالث، وربما الأكثر تداولًا، هو باطن الأرض. فبحسب المقال، يملك المغرب نحو 70% من احتياطيات الفوسفاط في العالم، وهو مورد أساسي لصناعة بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP). كما يُقال إنه يتوفر على احتياطيات مهمة من الكوبالت، وهو معدن آخر يُستخدم في البطاريات.
وتستلزم الإشارة بعض التوضيحات للقارئ غير المتخصص. فبطاريات LFP، التي تستغني عن النيكل والكوبالت، تكسب حصصًا في السوق بفضل كلفتها المنخفضة ومتانتها. وهي تزوّد اليوم عددًا متزايدًا من الطرازات، لا سيما فئتي الدخول والمتوسطة. وامتلاك المادة الأولية يعني، نظريًا، القدرة على دمج جزء من سلسلة القيمة في المنبع.
لكنني أبقى حذرًا: فامتلاك الاحتياطيات لا يكفي. بين الفوسفاط الخام وخلية البطارية مراحل تحويل عدة، تتطلب تقنيات ورؤوس أموال وكفاءات لا تزال في طور البناء. فالأفضلية الجيولوجية وعد، وليست بعد مكسبًا محققًا.
![]()
صناعة السيارات، أول قطاع تصديري
العنصر الرابع، والأكثر ملموسية، هو الخبرة الصناعية. يذكّر التحليل بأن صناعة السيارات أصبحت أول قطاع تصديري في البلاد. ويشير أيضًا إلى أن المغرب تجاوز الصين ضمن أبرز الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي في هذا المجال.
وتعطي الأرقام المذكورة صورة عن حجم هذا الصعود:
- 17 مليار دولار من السيارات وقطع الغيار صُدّرت في عام 2024؛
- صفة أول قطاع تصديري في البلاد؛
- مرتبة متقدمة على الصين بين شركاء الاتحاد الأوروبي في صناعة السيارات، وفق المقال؛
- طنجة المتوسط، أكبر ميناء في إفريقيا والمتوسط، بوصفه بوابة لوجستية.
هذه المعطيات منسوبة إلى «ذا كونفرسيشن»، ومن الأفضل مقارنتها بالإحصاءات الرسمية المغربية والأوروبية قبل أي إعادة استخدام.
عشرون عامًا من الاستراتيجية الصناعية
النقطة الخامسة هي الاستمرارية. يخلص التحليل إلى أن تحوّل المغرب يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جرى اتباعها على مدى عقدين حول المناطق الحرة، ولا سيما منطقة التسريع الصناعي «طنجة أوتوموتيف سيتي».
وهذا، في نظري، مفتاح القراءة الأكثر إقناعًا. فالأقطاب الصناعية الكبرى لا تولد من فرصة عابرة، بل من سياسة مستمرة عبر الزمن: بنى تحتية، وتكوين، وجباية، ودبلوماسية اقتصادية. لقد استثمر المغرب مبكرًا ودون انقطاع، ما يمنحه اليوم مصداقية لا تستطيع إلا قلة من الدول الناشئة الادعاء بها.
![]()
الضريبة على الكربون، رهان على الامتثال للمعايير الأوروبية
آخر عنصر يشير إليه التقرير: أن المغرب أقرّ مؤخرًا ضريبة على الكربون من أجل مواءمة صادراته مع المعايير البيئية الصارمة للاتحاد الأوروبي. والرهان هنا مباشر. فمع آلية الاتحاد الأوروبي لتعديل الكربون على الحدود، قد تتعرض المنتجات الناتجة عن عمليات عالية الانبعاثات لعقوبات عند دخول السوق الأوروبية.
وباستباقه ذلك، تسعى الرباط إلى الحفاظ على تنافسية مصدّريها وطمأنة المستثمرين. ويبقى أن نرى كيف ستُطبَّق هذه الضريبة وما أثرها الفعلي على كلفة الصناعيين. وفي هذه المرحلة، لا أتوفر على معطيات دقيقة بشأن مستواها أو جدولها الزمني: إنها معلومة ينبغي التحقق منها لدى المصادر الرسمية.
التحفظات والتحديات التي لا ينبغي تجاهلها
المقال النزيه لا يكتفي بالمزايا. فهناك عدة تحديات تلوح في الأفق. أولًا، الارتقاء في سلسلة القيمة: فالانتقال من التجميع إلى إنتاج البطاريات والمكوّنات ذات القيمة المضافة العالية يتطلب وقتًا. ثانيًا، المنافسة: فدول أخرى، من أوروبا الشرقية إلى جنوب شرق آسيا، تتودد إلى المستثمرين أنفسهم. وأخيرًا، الطاقة والماء: فالصناعة الثقيلة تعتمد على إمداد موثوق، ويُفضَّل أن يكون منخفض الكربون، وهو ما يثير تساؤلات في بلد يعاني من الإجهاد المائي.
ينبغي التذكير أيضًا بأن «ذا كونفرسيشن» تقدم تحليلًا وليس تصنيفًا رسميًا. فالإمكانات الموصوفة حقيقية، لكن تحققها سيتوقف على قرارات الاستثمار لدى مصنّعي السيارات وعلى قدرة البلاد على بناء منظومة صناعية متكاملة.
ما أخرج به للمستقبل
انطباعي أن المغرب يملك، أكثر من كثير من منافسيه، مجموعة متماسكة من الأصول: الموقع الجغرافي، والاتفاقيات التجارية، والموارد المعدنية، والخبرة المتراكمة، والاستمرارية السياسية. لم يعد السؤال هل يحسب له حساب في صناعة السيارات العالمية، بل هل سيتمكن من الاستحواذ على الجزء الأكثر استراتيجية من السلسلة الكهربائية، أي البطاريات ومواد صنعها.
وسيتوقف الجواب على ما ستكشفه السنوات المقبلة بشأن الاستثمارات المعلنة، وتطور القواعد التجارية عبر الأطلسي، وسرعة تكوين اليد العاملة المؤهلة التي يحتاجها البلد. الرهان مفتوح، ويستحق أن يُتابَع عن كثب.
الأسئلة الشائعة
لماذا يُذكر المغرب كقطب مستقبلي للسيارات الكهربائية؟
بحسب «ذا كونفرسيشن»، فهو يجمع بين ميناء صناعي كبير، واتفاقيات تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وموارد معدنية مهمة، وخبرة قوية في صناعة السيارات.
ما دور الفوسفاط في البطاريات؟
الفوسفاط مادة أولية لبطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP). ويملك المغرب نحو 70% من الاحتياطيات العالمية، وفق المقال.
كم يصدّر المغرب في قطاع السيارات؟
يذكر المقال 17 مليار دولار من السيارات وقطع الغيار المصدَّرة في عام 2024، ما يجعل صناعة السيارات أول قطاع تصديري في البلاد.
لماذا أقرّ المغرب ضريبة على الكربون؟
لمواءمة صادراته مع المعايير البيئية للاتحاد الأوروبي والحد من أثر آلية الاتحاد الأوروبي لتعديل الكربون على الحدود.