تستأثر صفقات التسلح الكبرى بالنصيب الأوفر من الاهتمام: مقاتلات، مروحيات، صواريخ. أما العقد الذي أريد تناوله هنا فهو أكثر هدوءاً، لكنه يبدو لي أكثر دلالة على المسار الذي تسلكه القوات المسلحة الملكية. ففي ماي 2026، حصلت الشركة الدنماركية «سيستماتيك» (Systematic) على عقد يشمل تراخيص دائمة لحزمة القيادة «سيتاوير» (SitaWare)، وتكويناً في التمارين الجماعية، ودعماً من خبراء، لفائدة المغرب. ويبلغ غلافه المالي نحو 9,5 ملايين دولار. هو مبلغ متواضع قياساً بميزانيات الدفاع، غير أن طبيعة المقتنى تستحق التوقف عندها.
ما يقوله العقد وما لا يقوله
بحسب معلومات نشرتها الصحافة المغربية استناداً إلى الإعلان الأمريكي، جرى رصد 8,5 ملايين دولار، بقيمة قصوى تبلغ 9,5 ملايين دولار، مع تنفيذ مقرر إلى غاية 30 أبريل 2029. ويندرج العقد ضمن البرنامج الأمريكي للمبيعات العسكرية الخارجية (FMS). وفي هذا الإطار، تتولى الحكومة الأمريكية إبرام الطلب مع المصنّع باسم الدولة الزبونة، وتشرف على تنفيذه.
أتقيّد عن قصد بما يمكن نسبته إلى مصدر. فحسب علمي، لا تفصّل الوثائق المتاحة القائمة الدقيقة للوحدات البرمجية المقتناة، ولا عدد التراخيص، ولا الوحدات التي ستُجهَّز بها. والتوجه نحو القوات البرية منسجم مع الوظيفة التاريخية للمنتج، لكنه في هذه المرحلة قراءة للسياق وليس معطى رسمياً. أما الرباط، وفق عادتها، فلم تعلّق على هذا الاقتناء.
أبرز العناصر باختصار:
- المورّد والإطار: سيستماتيك، عبر البرنامج الأمريكي FMS
- تاريخ الإسناد: ماي 2026
- المبلغ: 8,5 ملايين دولار مرصودة، و9,5 ملايين دولار كحد أقصى
- النطاق: تراخيص دائمة لحزمة سيتاوير، وتكوين في التمارين الجماعية، ودعم الخبراء
- أجل التنفيذ: 30 أبريل 2029
![]()
سيتاوير، عن ماذا نتحدث
لغير المتخصصين، توضيح موجز. يُقصد بـC2، أو C4ISR، المنظومات التي تتيح لهيئة أركان أن ترى وتقرر وتنقل الأوامر: القيادة والسيطرة والاتصالات والمعلوماتية والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. أما BMS، أي Battle Management System، فهو نسختها التكتيكية. عملياً، هو «خريطة حية» لساحة المعركة، تظهر عليها في الزمن الحقيقي مواقع الوحدات الصديقة، والمعلومات عن الخصم المفترض، والأوامر والتقارير.
ويُعدّ «سيتاوير»، الذي طورته سيستماتيك، من أكثر البرمجيات انتشاراً في هذه الفئة. وبحسب الشركة وبيانات صادرة عن السلطات الدنماركية، يُستخدم في أكثر من 45 دولة، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا. ويعتمده الجيش الدنماركي منذ 2008. وتضم الحزمة على وجه الخصوص «سيتاوير هيدكوارترز» لمراكز القيادة، و«سيتاوير فرونتلاين» للمركبات والوحدات المنتشرة، و«سيتاوير إيدج» المصمم للجندي الراجل والهياكل الصغيرة. وكان الجيش الأمريكي قد اختار هذا الحل منذ 2017 لبعض احتياجات القيادة، ما منحه حضوراً لافتاً لدى الزبائن الغربيين.
لماذا تراخيص دائمة
التفصيل الذي استوقفني أكثر هو التراخيص الدائمة. ففي البرمجيات العسكرية، يكسب نموذج الاشتراك مزيداً من الأرض لأنه يضمن تحديثات متواصلة. أما الترخيص الدائم فيمنح حق استخدام بلا حد زمني للنسخة المقتناة. وبالنسبة للدولة الزبونة، الحجة مزدوجة: ميزانية أكثر قابلية للتوقع، وتبعية أقل لعقد تجديد قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية.
وهذا الاختيار ليس عادياً لبلد يسعى، مثل المغرب، منذ سنوات إلى تنويع مورّديه مع تعميق شراكته مع واشنطن. فالترخيص الدائم لا يلغي التبعية، إذ تظل الصيانة وتطوير البرمجية بيد المورّد، لكنه يجعلها أقل إحكاماً. ويبقى سؤال لا تحسمه الوثائق العلنية: ما حصة التكوين والدعم التي ستُنقل محلياً، وما حصة ما سيظل يضطلع به متدخلون خارجيون إلى حدود 2029.
لبنة رقمية في جهد أوسع
سيكون من المضلل قراءة هذا الاقتناء بمعزل عن سياقه. ففي الأشهر الأخيرة، ورد اسم المغرب في عدة عقود أمريكية: دعم مقاتلات إف-16 بلوك 72، ومحاكيات تدريب لهذه الطائرات، ومكونات صواريخ AIM-120، ومعدات إنذار راداري وحرب إلكترونية لمروحيات أباتشي. والمنطق العام هو منطق جيش يكمّل اقتناء المنصات بما يجعلها فعالة: التكوين والصيانة والتشغيل البيني، وهنا أيضاً القيادة الرقمية.
وهنا، في رأيي، جوهر المسألة. فالدبابة أو المدرعة تظل أداة محدودة ما لم تندرج في سلسلة معلومات مشتركة. وقد استثمر المغرب من قبل في منظومات إرسال واتصال لاسلكي من أصل أمريكي. ويسدّ وصول برمجية قيادة تكتيكية طبقة كانت ناقصة: تلك التي تربط بين المستشعرات والوحدات وهيئة الأركان. وأظل حذراً بشأن الحجم الفعلي للنشر، لأن عقداً تقل قيمته عن عشرة ملايين دولار يوحي بخطوة أولى، ربما نطاق تجريبي أو أساس لقيادة محددة، أكثر مما يوحي بشبكة تغطي الجيش البري بأكمله.
التشغيل البيني والرهانات الاستراتيجية
تكمن الجاذبية الرئيسية لـ«سيتاوير» في توافقه مع معايير تبادل المعلومات المعتمدة في حلف الناتو. والمغرب ليس عضواً في الحلف، لكنه حليف رئيسي من خارج الناتو للولايات المتحدة، ويشارك بانتظام في تمارين متعددة الجنسيات، من بينها «الأسد الإفريقي» الذي يُنظَّم سنوياً على أراضيه. وامتلاك أداة قادرة على التخاطب مع منظومات شركاء أمريكيين وأوروبيين يسهّل تخطيط هذه المناورات وإدارتها. والإشارة في العقد إلى التكوين في التمارين الجماعية تصب في هذا الاتجاه.
وعلى المستوى الإقليمي، يندرج الاقتناء في سياق تحديث متسارع لجيوش المغرب العربي، وفي جهد مغربي تصفه السلطات بأنه دفاعي ويهدف إلى الاحتراف. ويختلف المحللون في قراءته. فيرى بعضهم فيه استدراكاً تقليدياً للقدرات بعد تجديد المعدات. ويرى آخرون تعزيزاً للردع في محيط تغذي فيه المنافسة مع الجزائر، المنخرطة بدورها في إعادة تسلح مكثفة، سباقاً على القدرات. وليست لدي معطيات للحسم، وغموض ميزانيات الدفاع في المنطقة لا يساعد.
الحدود ومناطق الظل
تبدو لي ثلاثة تحفظات ضرورية. الأول يتعلق بالغموض: فمبلغ مرصود ليس نطاقاً عملياتياً، ومن دون تفاصيل عن الوحدات البرمجية والكميات يظل أي استنتاج هشاً. والثاني يخص الإدماج: فبرمجية القيادة لا تصنع قيمة إلا إذا غذّتها أجهزة لاسلكية وشبكات ومستشعرات متوافقة، وإذا استخدمتها الوحدات فعلاً. وتُظهر تجربة جيوش كثيرة أن الصعوبة نادراً ما تكمن في البرمجية، بل في تملّك الفرق لها. والثالث هو الأمن السيبراني: فالمنظومة التي تركّز الصورة التكتيكية هدف من الطراز الأول، وستتوقف حمايتها على بنية الشبكة المختارة، التي لا يفصّلها أي مصدر علني.
خاتمة مفتوحة
لن يتصدر عقد الـ9,5 ملايين دولار هذا العناوين، لكنه يشير إلى تحول: الجيش المغربي يستثمر في المعلومة بقدر ما يستثمر في العتاد. ويبقى أن نعرف هل ستعقب هذه اللبنة توسعات، نحو أسلحة أخرى أو نحو تنقل الوحدات وربطها، وكيف ستوفّق الرباط بين هذه التبعية البرمجية وطموحاتها في الاستقلال الصناعي، لا سيما حول التصنيع المحلي للمعدات. وأعتقد أن ذلك سيكون أفضل مؤشر على جدية المسار خلال السنوات الثلاث المقبلة.
الأسئلة الشائعة
ما هو «سيتاوير»؟
هو حزمة برمجية للقيادة والسيطرة طورتها المجموعة الدنماركية سيستماتيك. تمنح هيئات الأركان والوحدات صورة مشتركة عن الوضع التكتيكي، ويُستخدم، حسب الشركة، في أكثر من 45 دولة.
كم دفع المغرب؟
يتضمن العقد 8,5 ملايين دولار مرصودة وقيمة قصوى تبلغ نحو 9,5 ملايين دولار، مع تنفيذ مقرر إلى غاية 30 أبريل 2029.
لماذا اللجوء إلى برنامج FMS؟
في هذا الإطار، تشتري الحكومة الأمريكية باسم الدولة الزبونة وتدير العقد، ما يوفر قناة آمنة ودعماً منظماً.
ماذا تعني التراخيص الدائمة؟
تمنح حق استخدام بلا حد زمني للنسخة المقتناة. وقد تُغطى الصيانة والتحديثات بخدمات منفصلة.