ويضيف أن مراحل لاحقة ستجلب دقةً فائقة الوضوح وإدراكًا للأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والرادار.
إن إعادة البصر إلى من لم يعرفوه قطّ ستكون من أعظم الإنجازات الطبية في هذا القرن. ولهذا السبب تحديدًا أرى أن الوعد يستحق قراءة دقيقة: ما الثابت منه، وما الذي لم يُثبت بعد، وما الذي يكشفه الجدول الزمني أصلًا.
اقتباس يتداوله الناس كأنه خبر جديد
أول ما ينبغي توضيحه هو التسلسل الزمني. فهذه التصريحات ليست حديثة. إنها مأخوذة من مقابلة أجراها ماسك مع «واي كومبينيتر» في يونيو 2025، قال فيها إن نيورالينك ستجري «خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة» أولى عمليات الزرع الخاصة بالبصر، مستندًا إلى قرد يحمل الجهاز منذ ثلاث سنوات. وقد أعادت وسائل إعلام وحسابات عدة نشر المقطع هذا الصيف وكأنه إعلان جديد.
وهذه الملاحظة تغيّر القراءة. فالموعد الذي حُدد في يونيو 2025 انقضى اليوم في معظمه. وبحسب علمي، لم يكن أي مريض قد خضع للزرع في أغسطس 2026، وكانت نيورالينك لا تزال تعرض التجربة على موقعها بوصفها «قادمة». وكانت «بنزينغا» قد ذكرت آنذاك أن أول تجربة على البشر ستُجرى في الإمارات العربية المتحدة عام 2026، ولم أجد ما يؤكد ذلك.
خطاب سبق أن سمعناه
ليست هذه المرة الأولى التي يَعِد فيها ماسك بالبصر لمن وُلدوا مكفوفين. ففي ديسمبر 2022، خلال عرض قدّمته نيورالينك، أكد أن من لم يرَ في حياته قد يستعيد البصر، وحدّد بدء التجارب البشرية بعد ستة أشهر. ولم يتم أول زرع لدى إنسان إلا في يناير 2024، أي بعد أكثر من عام. وفي مارس 2025 تحدث عن أول زرع بصري قبل نهاية العام.
لا أذكر ذلك للتشكيك في المشروع. فالتأخر أمر شائع في الطب، حيث تتقدم السلامة على السرعة. لكنه يدعونا إلى التعامل مع مواعيد ماسك بوصفها طموحات لا التزامات.
👓 𝗘𝗹𝗼𝗻 𝗠𝘂𝘀𝗸 𝘃𝗲𝘂𝘁 𝗿𝗲𝗻𝗱𝗿𝗲 𝗹𝗮 𝘃𝘂𝗲 𝗮𝘂𝘅 𝗮𝘃𝗲𝘂𝗴𝗹𝗲𝘀, 𝗺𝗲̂𝗺𝗲 𝗱𝗲 𝗻𝗮𝗶𝘀𝘀𝗮𝗻𝗰𝗲 #elonmusk #Neuralink
👉 https://t.co/Rn5iMAEk9l
Une déclaration d’Elon Musk disant que dans les 6 à 12 mois, Neuralink implantera ses premiers dispositifs de vision. pic.twitter.com/SXtHnNGk87— Silicon Valley (@SiliconValleyMa) September 30, 2026
كيف تُعاد الرؤية دون المرور بالعينين
المبدأ سهل الصياغة، عسير التنفيذ. تلتقط كاميرا الصورة وترسلها لاسلكيًا إلى شريحة مزروعة. وهذه الشريحة، وهي مصفوفة من الأقطاب الدقيقة يضعها روبوت جراحي على القشرة البصرية، تحفّز مجموعات من الخلايا العصبية. ومن المفترض أن يفسّر الدماغ هذه التحفيزات على أنها إدراكات ضوئية.
والفرق عن الأطراف الاصطناعية الشبكية أن الجهاز يتجاوز العين والعصب البصري. وهذا ما يجعل المقاربة ممكنة نظريًا لمن فقدوا العينين معًا، شرط أن تكون القشرة البصرية سليمة، كما يوضح ماسك نفسه.
وما يحصل عليه المريض ليس صورة بل «فوسفينات»، أي نقاط ضوئية صغيرة. وتُدرس إثارة القشرة البصرية منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. أما التحدي الحقيقي فهو تحويلها إلى إشارة مستقرة ومفيدة في الحياة اليومية.
محطات ملف نيورالينك بلايندسايت
هذه أبرز المحطات العلنية لمشروع نيورالينك بلايندسايت، وهو اسم المشروع.
- ديسمبر 2022: يتحدث ماسك لأول مرة عن إعادة البصر، بما في ذلك لمن وُلدوا مكفوفين.
- سبتمبر 2024: تمنح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بلايندسايت تصنيف «جهاز رائد» (breakthrough device).
- مارس 2025: في ولاية ويسكونسن، يعلن ماسك أول زرع بشري قبل نهاية 2025.
- يونيو 2025: في «واي كومبينيتر»، يرجئ الموعد إلى ما بين ستة واثني عشر شهرًا.
- أغسطس 2026: لا زرع بشري مؤكد، والتجربة مدرجة بوصفها قادمة على موقع الشركة.
ولا يعني تصنيف «الجهاز الرائد» ترخيصًا بالتسويق ولا دليلًا على الفعالية. إنه يدل على اهتمام الجهة التنظيمية بمرض خطير لا علاج مرضيًا له، ويسهّل التواصل معها. وما يعرفه الجمهور عن التجارب على القرود يستند، بحسب علمي، إلى تصريحات الشركة ومؤسسها في المقام الأول.
أصوات أكثر حذرًا من صوت ماسك
خفّف ماسك نفسه من نبرة كلامه منذ البداية، فقال إن الرؤية ستكون في البداية منخفضة الدقة جدًا، وشبّهها بجرافيكس ألعاب الفيديو في سبعينيات القرن الماضي. والمتخصصون يتفقون معه. ففي أواخر 2024 نقلت «آي إي إي إي سبكتروم» أن بلايندسايت، مقارنةً بتصريحات مؤسس الشركة، سيخيّب الآمال على الأرجح. وترى إيوني فاين، عالمة الأعصاب الحسابية في جامعة واشنطن، أن نيورالينك ستبني أفضل شريحة قشرية ممكنة بالتقنيات الحالية، دون أن تنتج شيئًا يشبه الرؤية الطبيعية، لكنها قد تغيّر حياة المكفوفين فعلًا.
وبالنسبة لمن لم يدرك شيئًا قط، فإن تمييز باب أو رصيف أو شكل متحرك سيكون تقدمًا كبيرًا في حد ذاته. أما الحديث عن «الدقة الفائقة» فهو من باب التخمين.
إعادة البصر لمن وُلدوا مكفوفين، السؤال المفتوح
هذه أدق نقطة في الوعد. فالقشرة البصرية لدى المولود أعمى لم تتطور كما تتطور لدى من أبصر، وقد تكون أُعيد توظيفها لوظائف أخرى. ولا شيء يثبت حتى الآن أنها ستستجيب للتحفيز كما تستجيب قشرة بالغ فقد بصره لاحقًا، ولا أن الدماغ سيتمكن من فهم هذه الإشارات دون أن يتعلم الرؤية يومًا.
ومردود هذا التعلم مجهول، وهو يتطلب على الأرجح تأهيلًا طويلًا. ولن يحسم المسألة سوى تجارب سريرية صارمة، تتابع المرضى على المدى الطويل وتنشر نتائجها. ولذلك تبدو لي عبارة «ستَرون» اليوم فرضية لا خلاصة.
ميدان لا تنفرد فيه نيورالينك
تملك نيورالينك أوراقًا حقيقية: روبوتًا جراحيًا قيد الاستخدام، وقدرة صناعية، وخبرة منتجها الأول «تيليباثي» المزروع منذ يناير 2024 لدى مرضى مصابين بالشلل، ومنهم اثنان في كندا عام 2025. لكن الرؤية مسألة من طبيعة مختلفة عن تحريك مؤشر، نظرًا إلى غنى المعلومات التي يجب نقلها.
والميدان مزدحم كذلك. فبحسب «آي إي إي إي سبكتروم»، كان مشروع «أوريون»، المنبثق عن «سيكند سايت» والمستأنَف مع «كورتيجنت»، قد دخل تجربة سريرية بحلول أواخر 2024، بينما ينتمي نظام «بريما»، وهو طرف اصطناعي شبكي، إلى شركة «ساينس» التي يديرها ماكس هوداك، أحد مؤسسي نيورالينك السابقين. وفي ذلك الوقت لم تكن أي شركة قد سوّقت طرفًا بصريًا اصطناعيًا قشريًا. فرواية الاختراق المنفرد إذن مضللة.
الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والرادار، جانب الحلم
يبقى الوعد الأكثر إبهارًا. فمن الناحية التقنية، التقاط الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية في متناول أجهزة استشعار متوفرة تجاريًا، ويمكن تحويل إشارة الرادار إلى صورة. والمشكلة ليست في الالتقاط بل في النقل: إذ يجب ترميز هذه البيانات بلغة يتعلم الدماغ تفسيرها، بعدد محدود من نقاط التحفيز.
وأرى ثلاث قضايا وراء هذا الأفق. الأولى طبية: فالجهات التنظيمية ترخّص جهازًا لعلاج مرض، لا لـ«تعزيز» قدرات شخص سليم. والثانية اجتماعية: من سيحصل على هذه التقنية، وبأي كلفة؟ والثالثة استراتيجية، لأن الرؤية المعززة ستهم الدفاع والملاحة والصناعة، وتطرح مسألة حماية البيانات العصبية المتصلة بالشبكة.
ما أخرج به
يستند إعادة البصر إلى المكفوفين عبر القشرة الدماغية إلى رهان علمي معقول وحاجة هائلة: فملايين البشر يعيشون مع عمى لا علاج له. ويدل تصنيف إدارة الغذاء والدواء على أن الجهة التنظيمية تأخذ الموضوع بجدية. لكن بين هذا الاعتراف ومريض «يرى» ما زال هناك أول زرع، ونتائج منشورة، وتقييم للسلامة على المدى الطويل، ثم تجارب أوسع.
لذلك سأواصل التعامل مع وعود القدرات الخارقة بمسافة، مع متابعة دقيقة لأي إعلان عن أول مريض. فهذا الإعلان، لا الاقتباس المتداول، هو الذي سيبيّن هل نشهد منعطفًا طبيًا أم حلقة جديدة من جداول ماسك المتفائلة.
الأسئلة الشائعة
هل يستطيع إيلون ماسك فعلًا إعادة البصر إلى المكفوفين؟
ليس في هذه المرحلة. فشريحة بلايندسايت تجريبية، ولم تُزرع بعدُ في إنسان، بحسب علمي. وستكون النتائج الأولى منخفضة الدقة جدًا.
هل سيتمكن المولودون مكفوفين من الرؤية؟
يؤكد ماسك ذلك، بشرط أن تكون القشرة البصرية سليمة. لكن لا توجد بيانات علنية تثبته، وقد تستجيب قشرة من لم يبصر يومًا بشكل مختلف.
ما هي نيورالينك بلايندسايت؟
شريحة تجريبية تحفّز القشرة البصرية لإنتاج إدراكات ضوئية، متجاوزةً العين والعصب البصري. وقد منحتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تصنيف «الجهاز الرائد» في سبتمبر 2024.
هل سنرى فعلًا بالأشعة تحت الحمراء أو بالرادار؟
هذا طموح بعيد المدى عبّر عنه ماسك ولم يثبته العلم. وستستهدف النسخ الأولى رؤية منخفضة الدقة جدًا في البداية.