في هذا السياق، ستفقد إسبانيا ما يوفره لها عادة انتماؤها إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي: شركاء متاحون.
افتراض عملي بسيط. العواصم الأوروبية، المنشغلة بالجبهة الشرقية، لن تكون لديها لا الوسائل ولا الرغبة في فتح مسرح ثانٍ في الجنوب. في المقابل، سيحافظ المغرب على دعم حلفائه الأمريكيين والإسرائيليين. في هذه الظروف، وفي حال نزاع قصير أو متوسط المدة، أعتقد أن المغرب سيتفوق في حرب الطائرات المسيّرة وسيلحق أضراراً كبيرة بكامل الأراضي الإسبانية.
ما تقوم به إسبانيا فعلاً لدعم أوكرانيا
يجب التذكير بأن إسبانيا ليست متفرجاً في حرب أوكرانيا. منذ عام 2022، تشارك في الجهد العسكري الأوروبي بعدة طرق:
- تسليم معدات تشمل أنظمة مضادة للدبابات، وذخائر، ومركبات عسكرية، ومعدات رؤية ليلية، وأنظمة دفاع، ودعم لوجستي
- تدريب ما بين 7000 و8000 جندي أوكراني في إسبانيا، ضمن بعثات أوروبية
- مساعدات عسكرية مالية بنحو مليار يورو سنوياً في 2024–2025، مع حزم جديدة تشمل الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة
- تركيز متزايد على الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، عبر تمويل أنظمة ورادارات وتعاون صناعي أوروبي لإنتاجها
هذا الالتزام يُحسب لمادريد، لكنه يحمل جانباً استراتيجياً سلبياً. في حال اندلاع حرب مفتوحة بين روسيا وأوروبا، لن تتوقف هذه المساهمات بل ستتضاعف. المخزونات التي استُهلكت بالفعل في الإمدادات، وقدرات التدريب المعبأة، والميزانيات الموجهة نحو الشرق، وخاصة أنظمة مكافحة المسيّرات التي ستُنتج على المستوى الأوروبي وتُرسل إلى الجبهة، كل ذلك سيقلل مما يتوفر لإسبانيا للدفاع عن نفسها داخلياً. ستجد نفسها بين التزاماتها تجاه الحلف واحتياجاتها الوطنية.
أوروبا منشغلة بالجبهة الشرقية
في مواجهة روسيا، ستصبح أوروبا مجدداً تحالفاً للأولويات. الذخائر والدفاعات الجوية والطائرات المسيّرة والاستخبارات ستتجه أولاً نحو الدول القريبة من الجبهة. إسبانيا، البعيدة عن خط المواجهة، ستتراجع في ترتيب توزيع الموارد، وستصطدم طلباتها بسلاسل إنتاج مشبعة بالفعل.
وهناك أيضاً واقع سياسي. المغرب شريك رئيسي للاتحاد الأوروبي في التجارة والطاقة والاستثمارات الصناعية والتعاون في ملف الهجرة. لن ترغب أي عاصمة أوروبية في إضافة قطيعة مع الرباط إلى حرب ضد روسيا. سيكون الميل نحو تهدئة التصعيد. كما أن سبتة ومليلية غير مشمولتين بضمان الدفاع الجماعي لحلف الناتو، مما يترك أساساً قانونياً ضعيفاً لأي تدخل حلفاء.
![]()
المغرب وحلفاؤه
هذا هو التباين المركزي في السيناريو. بينما تجد إسبانيا نفسها شبه معزولة، يعتمد المغرب على شبكة من الشركاء الراسخين. الولايات المتحدة تعتبره منذ فترة طويلة حليفاً رئيسياً خارج الناتو، وتجري معه مناورات عسكرية واسعة النطاق. إسرائيل، منذ تطبيع 2020، طورت تعاوناً عسكرياً وصناعياً عميقاً، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. كما زودته تركيا بطائرات مسيّرة قتالية. في هذا السيناريو، تتحول هذه الدعمات إلى معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية، وذخائر، وتدريب، وصيانة.
هذا العمق في التحالفات ليس كمياً فقط، بل نوعي أيضاً، إذ يمنح الرباط وصولاً إلى تقنيات مجربة في القتال، بينما تعتمد إسبانيا على مخزونها الوطني وشراءات طارئة.
المغرب الذي يصنع طائراته المسيّرة
هناك عامل يغير المعادلة بشكل كبير: المغرب لم يعد يكتفي بشراء الطائرات المسيّرة، بل بدأ في إنتاجها. في السنوات الأخيرة، أطلق المملكة مساراً لتطوير صناعتها الوطنية، مع وحدات تصنيع قائمة بالفعل وزيادة في إنتاج الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحة المسيّرات. الطائرات ذات الأصل التركي من بين ما يتم تصنيعه حالياً على الأراضي المغربية، كما أن التعاون مع إسرائيل فتح المجال أيضاً للإنتاج المحلي.
تستند هذه القدرة إلى قاعدة صناعية قوية. المغرب اليوم من أكثر الدول تصنيعاً في إفريقيا، مع قطاعات راسخة في السيارات والطيران والإلكترونيات، ومناطق صناعية مجهزة، وميناء ضخم مثل طنجة المتوسط. بالنسبة لدولة تمتلك هذه الخبرة في التصنيع المتقدم، فإن إنشاء مصانع للطائرات المسيّرة ليس عائقاً بل امتداداً طبيعياً لما هو قائم.
في حرب استنزاف، تكون النتيجة مهمة جداً. بينما تعتمد إسبانيا على برامج أوروبية منشغلة بالجبهة الشرقية وعلى إمدادات خارجية، يستطيع المغرب تعويض خسائره وتكييف إنتاجه محلياً دون الاعتماد الكلي على حلفائه. هذا الإنتاج المحلي يضيف عمقاً واستمرارية أكثر مما يستبدل الدعم الخارجي.
ومع ذلك، تبقى بعض المكونات الحساسة مثل الإلكترونيات المتقدمة والمحركات والاتصالات عبر الأقمار الصناعية مرتبطة بالاستيراد، ما يجعل الاستقلال الصناعي للمغرب جزئياً فقط. لكن هذه التبعية أقل بكثير من الفجوة التي تعاني منها إسبانيا في غياب دعم خارجي مماثل.
حرب الطائرات المسيّرة: لماذا قد ينتصر المغرب
تُحسم حرب الطائرات المسيّرة بأربعة عناصر: الرؤية، التشويش، الاستمرارية، والضرب الكثيف. في كل هذه العناصر، يبدو أن الأفضلية تميل إلى الرباط.
الرؤية. بفضل صور الأقمار الصناعية الأمريكية والتحليل الإسرائيلي، سيكون لدى المغرب تصور دقيق للتموضع الإسباني في البحر والبر. أما إسبانيا، المحرومة من تقاسم المعلومات الاستخباراتية الأوروبية المنصبّة على الجبهة الروسية، فسترى أقل وتضطر لحماية كل شيء في وقت واحد.
التشويش. الحرب الإلكترونية هي المجال الذي تتفوق فيه إسرائيل بشكل واضح. التشويش والخداع والكشف السلبي وتنسيق الأسراب يمنح من يمتلكها السيطرة على المجال الجوي المنخفض. إسبانيا تستثمر في الرادارات ومكافحة المسيّرات، لكن تطويرها حديث ويعتمد على برامج أوروبية.
الاستمرارية. الاستنزاف يحدد النتيجة. اعتراض عشرات الطائرات الصغيرة بصواريخ باهظة الثمن هو تبادل خاسر، ولن تمتلك إسبانيا احتياطيات أوروبية كافية. المغرب، بدعم حلفائه، سيحول خسائره إلى مجرد تكلفة تشغيل.
الضرب الكثيف. التشبع عبر الأسراب يتجاوز الدفاعات قبل استنفاد الصواريخ الاعتراضية. الكمية والإنتاج المحلي وتدفق الذخائر يمنح الرباط تفوقاً حاسماً.
أضرار على كامل إسبانيا
ما يميز هذا السيناريو هو حجم التأثير. لا أرى نزاعاً محدوداً في مضيق جبل طارق أو في الجيوب. أي طرف يسيطر على المجال الجوي المنخفض والمراقبة يمكنه التأثير على كامل التراب، من شبه الجزيرة إلى جزر البليار، وجزر الكناري والمياه الأطلسية الجنوبية.
عسكرياً، سيؤدي الضغط على القواعد والموانئ والقوات البحرية والدفاعات الجوية إلى إجبار مدريد على توزيع قواتها. اقتصادياً، ستتأثر الموانئ والتجارة والطاقة والاتصالات، خاصة أن الاقتصاد الإسباني يعتمد على السياحة وتدفق السلع. سياسياً، ستؤدي صعوبة حماية كل المناطق إلى أزمة ثقة. سبتة ومليلية ستكونان من أول المناطق المتأثرة بسبب محيطهما الجغرافي.
قد تعوض إسبانيا جزئياً بفضل حجمها وقواتها المسلحة، لكن الدفاع عن مساحة واسعة ومتقطعة دون دعم خارجي يبقى أكثر تكلفة من الهجوم.
ما يخفف من هذا الاستنتاج
من غير الصادق تجاهل حدود هذا السيناريو. اندلاع حرب بين روسيا وأوروبا بالتزامن مع نزاع إسباني مغربي أمر غير مرجح. كما أن الولايات المتحدة، المنشغلة بدعم الناتو ضد روسيا، لن يكون من مصلحتها تسليح طرف ضد حليف داخل الحلف يستضيف قواعد أمريكية. كذلك، حرب تعتمد فقط على الطائرات المسيّرة تبقى فرضية مبسطة، لأن التصعيد إلى أسلحة أخرى سيكون صعب التجنب. وأخيراً، على المدى المتوسط، يمكن للصناعة الأوروبية، بما فيها أنظمة مكافحة المسيّرات، أن تعيد التوازن.
الخلاصة
في عالم منشغل فيه الاتحاد الأوروبي بالجبهة الروسية، ستصبح إسبانيا أضعف عسكرياً: ملتزمة مع أوكرانيا، وستُستنزف مخزوناتها وميزانياتها وأنظمة مكافحة المسيّرات نحو الشرق، دون قدرة على الاعتماد على دعم أوروبي كافٍ في الجنوب. في المقابل، المغرب المدعوم بتحالفاته سيكون، في هذا التصور، متفوقاً في حرب الطائرات المسيّرة، مع أضرار كبيرة على كامل التراب الإسباني.
![]()
الأسئلة الشائعة
لماذا ستضعف إسبانيا في هذا السيناريو؟
لأن أوروبا المنشغلة بروسيا لن تستطيع توفير الذخائر والدفاعات الجوية والمعلومات الاستخباراتية الكافية.
ماذا تفعل إسبانيا لدعم أوكرانيا؟
تقدم معدات وتدريباً لآلاف الجنود، وتخصص نحو مليار يورو سنوياً كمساعدات عسكرية مع تركيز على الدفاع ضد المسيّرات.
على ماذا يعتمد تفوق المغرب؟
على تحالفاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل وقدرته على إنتاج جزء من احتياجاته عسكرياً.
هل هذا السيناريو واقعي؟
لا، إنه تحليل افتراضي يفترض صراعاً على جبهتين، وهو احتمال ضعيف جداً.