منذ أن افتتحت شركة Cortical Labs أول مراكز بياناتها البيولوجية في ملبورن ثم سنغافورة، لم يعد السؤال هو هل يمكن للخلايا الدماغية أن تحسب، بل إلى أين ستقودنا هذه الحوسبة الحية. بين إنجاز في كفاءة الطاقة ودوار أخلاقي حقيقي، أردتُ الفصل بين الحقيقة والمبالغة الإعلامية في موضوع يمزج بين البيولوجيا وألعاب الفيديو وفلسفة الوعي.
هذا النموذج الهجين، حيث تتحاور الخلايا الدماغية مع السيليكون، يَعِد بكفاءة طاقية لن تصلها الذكاء الاصطناعي التقليدي على الأرجح أبداً. لكنه يفتح أيضاً هوة مثيرة للقلق: هوة الأنسجة الحية التي تُستخدم للعمل، دون أن يعرف أحد حقاً ما الذي تشعر به.
خلايا عصبية بشرية تلعب Doom
انتشرت الصورة في عالم التكنولوجيا في مارس 2026: مجموعة من نحو 200 ألف خلية عصبية بشرية مزروعة على رقاقة تمكّنت من التحكم بشخصية في لعبة Doom، من خلال إدارة الحركة وإطلاق النار بشكل بدائي لكن حقيقي. العرض التوضيحي، الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن مزحة مهندس يشعر بالملل. كان واجهة عرض لنظام يُسمى CL1، قادر على تشغيل شيفرة برمجية تُنشر مباشرة على أنسجة عصبية حية.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تثير فيها الشركة الناشئة الأسترالية الجدل. ففي عام 2021، كان فريقها قد دّرب خلايا على لعب Pong، باستخدام جهاز مكوّن من أكثر من 800 ألف خلية دماغية حية مزروعة على مصفوفات من الأقطاب الكهربائية الدقيقة القادرة على إرسال واستقبال الإشارات الكهربائية. لعبة Doom ليست سوى الخطوة التالية في مسار تتبناه الشركة بوضوح: إثبات أن شبكة عصبية بيولوجية يمكنها تعلّم مهمة عن طريق التجربة والخطأ، دون سطر واحد من شيفرة التعلم الآلي التقليدي وراء ذلك.
ما أثار انتباهي أكثر أثناء البحث في هذا الموضوع هو المقارنة البيولوجية الخام. يعمل الدماغ البشري بحوالي 20 واط بشكل مستمر، مديراً في آن واحد الإدراك والذاكرة والتحكم الحركي الدقيق. أما معالج رسوميات عالي الأداء فيستهلك مئات الواطات مقابل جزء بسيط فقط من هذه المرونة. هذه الفجوة بالضبط هي ما أطلق مغامرة الحوسبة الحيوية بأكملها.
الهوة الطاقية للذكاء الاصطناعي
لفهم لماذا تبدأ شركة ناشئة بزراعة خلايا عصبية داخل خزائن الخوادم، لا بد من النظر إلى فاتورة الطاقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي التقليدي، وهي فاتورة مذهلة. وفقاً لمعهد الطاقة (Energy Institute)، بلغ الطلب العالمي على الكهرباء لمراكز البيانات 787.8 تيراواط ساعة في عام 2025، بزيادة تقارب 20% خلال عام واحد. أما الوكالة الدولية للطاقة، وباستخدام نطاق أضيق، فتقدّر هذا الرقم بنحو 485 تيراواط ساعة للعام نفسه، لكن كلا المنحنيين يشيران إلى الاتجاه نفسه: صعود متواصل لا يهدأ.
المحرك الحقيقي لهذا الانفجار هو خوادم الذكاء الاصطناعي تحديداً. وبحسب تحليل نقلته صحيفة Le Monde Informatique، من المتوقع أن يقفز استهلاكها بنسبة 84.2% بين عامي 2025 و2026، من 95 إلى 175 تيراواط ساعة، قبل أن يستمر في الارتفاع في العام التالي. وبالأرقام:
- قد يتضاعف الاستهلاك العالمي للكهرباء في مراكز البيانات بحلول عام 2030، متجاوزاً 950 تيراواط ساعة وفق السيناريو المركزي للوكالة الدولية للطاقة
- قد تمثل الخوادم المخصصة للذكاء الاصطناعي ما يقارب نصف هذا الاستهلاك الإجمالي بحلول نهاية العقد
- استعلام واحد على مساعد محادثة قد يكون، بحسب الوكالة الدولية للطاقة، أكثر استهلاكاً للطاقة بعشر مرات من عملية بحث عادية في محرك بحث
- في أيرلندا، استهلكت مراكز البيانات بالفعل 17% من الكهرباء الوطنية في عام 2022، مقارنة بأقل من 5% في عام 2015
في ظل هذا السياق من الضغط على الشبكات الكهربائية، تكتسب الحوسبة الحيوية كل ثقلها الاستراتيجي. تدّعي الشركة أن كل وحدة CL1 تستهلك طاقة أقل من آلة حاسبة جيبية، على حد قول مؤسسها Hon Weng Chong. أما الخزانة الكاملة المركّبة في سنغافورة، والمكوّنة من عشرين وحدة، فلا تتجاوز 20 كيلوواط، وهو رقم زهيد مقارنة بالميغاواطات التي تلتهمها غرفة خوادم GPU تقليدية. سبق أن تناولتُ الانفجار الطاقي للذكاء الاصطناعي التوليدي في تقريرنا حول استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، والتباين مع هذه المنشآت البيولوجية الجديدة لافت للنظر.
كيف تُصنَّع الخلايا العصبية لحاسوب
العملية أقرب إلى بروتوكول في البيولوجيا الجزيئية منها إلى خط تجميع مكونات إلكترونية. تبدأ كل العملية بخلايا جذعية، تُستخرج غالباً من عينة دم بسيطة، تتم إعادة برمجتها في المختبر لتتمايز إلى خلايا عصبية وظيفية. هذا هو العمل الذي يقوده، ضمن آخرين، Rickie Patani، الذي يرأس برنامج علم الأعصاب في معهد علوم الحياة التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، حيث تُحوَّل هذه الخلايا قبل نقلها إلى رقائق CL1.
بمجرد نضجها، تُوضع الخلايا العصبية على مصفوفة متعددة الأقطاب، وهي رقاقة سيليكون قادرة على إرسال واستقبال النبضات الكهربائية. يعمل النظام بأكمله بواسطة biOS، نظام التشغيل الخاص بشركة Cortical Labs، الذي ينسّق الحوار المستمر بين النسيج الحي والإلكترونيات. يحمل الجيل الأخير من الرقائق تسعة وخمسين مدخلاً كهربائياً، مقابل ثمانية فقط في النموذج الأولي، وهو ما يعطي فكرة عن سرعة تطور هذه البنية.
تبلغ تكلفة كل وحدة CL1 نحو 35 ألف دولار عند الشراء، أو يمكن استئجارها أسبوعياً للاستخدام الأقصر مدة. تسوّق Cortical Labs هذا النموذج التجاري تحت اسم “Wetware as a Service”، وهي طريقة مباشرة إلى حد كبير للقول إنها تريد تحويل الخلايا العصبية الحية إلى مورد يمكن استهلاكه عبر السحابة، تماماً كما يُستأجر القدرة الحاسوبية من أي مزوّد استضافة تقليدي.
مشروع DishBrain، أو كيف تُدرَّب خلية
قبل CL1 التجاري، كان هناك مشروع DishBrain، الذي نُشر في عام 2022 في مجلة Neuron. المبدأ شبه بافلوفي: طبّق الباحثون على الخلايا العصبية مبدأ الطاقة الحرة، وهي نظرية تقول إن الدماغ يسعى باستمرار إلى تقليل حالة عدم اليقين تجاه بيئته. عملياً، عندما كانت مجموعة الخلايا العصبية تفوّت الكرة في مباراة Pong، كانت تتلقى تحفيزاً كهربائياً عشوائياً وغير مريح. وعندما كانت تنجح، كان التحفيز يصبح منظماً ومتوقعاً.
النتيجة: تعلّمت الخلايا، خلال دقائق من التدريب، تحسين أدائها في اللعبة. والجدير بالذكر أن الخلايا العصبية البشرية حققت جولات لعب أطول مقارنة بالخلايا العصبية للفئران التي اختُبرت بالتوازي، في زمن تدريب متساوٍ. إذن، لا تُدرَّب شبكة عصبية بيولوجية بالطريقة التي يُدرَّب بها نموذج تعلّم عميق عبر الانتشار العكسي للتدرج. بل تُشرَط، حرفياً، عبر اللعب على المكافأة والعقاب الحسي. وهذه القدرة على التعلّم بكميات قليلة جداً من البيانات، إلى جانب التكيّف شبه الفوري مع الظروف المتغيرة، هي ما يثير اهتمام الصناعة اليوم.
أين يختبئ الوعي في كل هذا
هذا هو السؤال الذي يطاردني أكثر في هذا الموضوع، وبصراحة، لا أحد لديه إجابة مُقنعة. هل تمتلك كتلة من 200 ألف أو 800 ألف خلية عصبية بشرية، موصولة برقاقة وقادرة على تعلّم لعب لعبة فيديو، شكلاً ما، ولو بسيطاً، من التجربة الذاتية؟ يميل علم الأعصاب الحديث إلى وضع المرتبطات العصبية للوعي في شبكات واسعة النطاق تشمل القشرة الدماغية والمهاد وحلقات معقدة من التغذية الراجعة، وهي بعيدة كل البعد عن البنية المسطحة لمزرعة خلايا موضوعة على مصفوفة أقطاب.
لكن الحجة المطمئنة لها حدودها. لا يستطيع أحد أن يجزم بوجود عتبة دقيقة لتعقيد الشبكة العصبية تفصل بين معالجة الإشارة البسيطة والتجربة الذاتية. حتى شركة Cortical Labs نفسها تشترط على عملائها الحصول على موافقة أخلاقية قبل أي استخدام تجاري لجهاز CL1، وهو ضمان يعترف، ضمنياً، بالغموض الأخلاقي لما تبيعه. كما استثمر صندوق In-Q-Tel، المرتبط بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، في الشركة الناشئة، إلى جانب Horizons Ventures وBlackbird Ventures، وهو ما يُظهر أن الاهتمام يتجاوز بكثير دائرة الباحثين في علم الأعصاب.
رأيي الشخصي، بعد أسابيع من تفحّص الأبحاث والإعلانات، هو التالي: ما نشهده ليس بالضبط خلق دماغ واعٍ، بل استغلال خاصية بيولوجية محددة جداً، وهي المرونة التشابكية، أُعيد توظيفها لأغراض حسابية. لكنني لن أستهين بسرعة تطور هذا المجال، ولا بضرورة وضع إطار تنظيمي مسبق بدلاً من الانتظار حتى وقوع فضيحة.
خطر التجرّد الكامل من الإنسانية
هذه هي النقطة الأكثر حساسية، والتي تتجاوز بكثير الجانب التقني. تحويل نسيج بشري حي إلى مورد صناعي، مهما كانت كمية الخلايا المعنية ضئيلة، يفتح منحدراً زلقاً حقيقياً. هناك عدة نقاط توتر تستحق أن تُطرح بوضوح:
- الوضع الأخلاقي للمزارع العصبية، التي لا تندرج ضمن أي فئة قانونية قائمة، لا فئة الكائنات الخاضعة للأبحاث الحيوانية ولا فئة الأشخاص
- مصدر الخلايا الجذعية، التي غالباً ما تُستخرج من تبرعات دموية، ومسألة الموافقة طويلة الأمد على استخدامها الصناعي
- تطبيع مصطلحات تجارية مثل “Wetware as a Service”، التي تتعامل مع النسيج البشري الحي كقدرة سحابية عادية
- غياب، حتى الآن، إطار دولي موحّد ينظّم إنتاج وبيع والتخلص من هذه المزارع العصبية
هذه النقطة الأخيرة هي على الأرجح الأكثر إلحاحاً. تلاحق الجهات التنظيمية الابتكار بشكل بنيوي دون أن تلحق به، والحوسبة الحيوية تتقدّم بسرعة أكبر من أي لجنة أخلاقيات طبية حيوية. فرنسا، التي تضم نحو 300 مركز بيانات نشط بالفعل في 2026، لا تملك حتى الآن أي منشأة بيولوجية من هذا النوع، لكن لا شيء يمنع ظهور مشروع تجريبي في السنوات القادمة، مدفوعاً بنفس السعي نحو الكفاءة الطاقية الذي يشكّل بالفعل تحليلنا حول التحديات الكهربائية لمراكز البيانات في فرنسا.
لا أؤمن بسيناريو خيال علمي حيث تسيطر أدمغة في جرار على العالم. الخطر الحقيقي أكثر بساطة: تصنيع تدريجي، دون نقاش عام كافٍ، لمورد بيولوجي لا زلنا نفهم تداعياته الأخلاقية بشكل ناقص. تستحق الحوسبة الحيوية أن تُتابع عن كثب، بحماس حقيقي لوعدها الطاقي، ويقظة فعلية تجاه مناطقها الرمادية.
أسئلة شائعة
هل الحوسبة الحيوية متوفرة تجارياً بالفعل في 2026؟
نعم. تسوّق شركة Cortical Labs جهاز CL1 منذ عام 2025، مع منشآت تشغيلية في ملبورن وخزانة مكوّنة من عشرين وحدة في سنغافورة، تُدار بالشراكة مع جامعة سنغافورة الوطنية ومشغّل مراكز البيانات DayOne.
هل يتم أخذ الخلايا العصبية المستخدمة مباشرة من دماغ بشري؟
لا. تأتي الخلايا العصبية من خلايا جذعية مُعاد برمجتها، تُستخرج عادة من عينة دم، ثم تُميَّز في المختبر قبل وضعها على الرقائق.
هل يستهلك الحاسوب البيولوجي فعلاً طاقة أقل من معالج GPU؟
بحسب Cortical Labs، تستهلك كل وحدة CL1 طاقة أقل من آلة حاسبة جيبية، مقارنة بمئات الواطات لمعالج GPU تقليدي مخصص للذكاء الاصطناعي، رغم أن المقارنات المباشرة للأداء لا تزال صعبة التحديد.
هل يوجد إطار قانوني محدد للحوسبة الحيوية؟
ليس بعد على المستوى الدولي. تفرض Cortical Labs موافقة أخلاقية داخلية على عملائها، لكن لا يوجد حالياً أي تنظيم عام موحّد يحكم إنتاج أو استخدام هذه المزارع العصبية.