ولم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في فرساي منتصف يونيو سوى بضعة أسابيع: فقد استؤنفت المواجهات في مطلع يوليو، بوتيرة أقل حدة لكنها حقيقية.
وفي خضم هذا السياق المتفجر أصلًا، انفتحت جبهة ثانية على بعد أكثر من 2000 كيلومتر. ففي 11 سبتمبر 2026، وبعد هجوم انطلق في 3 سبتمبر مكّن من السيطرة على ستة مديريات في محافظتي تعز والحديدة، بمساحة إجمالية بلغت نحو 5400 كيلومتر مربع، استولى مقاتلو الحوثيين على جزيرة ميون (بريم)، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، إضافة إلى كامل الساحل الغربي لليمن. وبذلك أصبح هذا الممر الاستراتيجي، الذي يمر عبره عادةً جزء كبير من التجارة البحرية العالمية، تحت سيطرة حليف لطهران.
فالمضيقان اللذان يحيطان بشبه الجزيرة العربية – هرمز وباب المندب – أصبحا الآن، كلٌّ بطريقته، تحت النفوذ الإيراني. وهذا التقاطع هو ما يغذّي اليوم التكهنات حول تدخل مباشر من حلف الناتو.
لماذا يكتسب سيناريو التدخل الغربي زخمًا
عدة عناصر واقعية تغذي هذا السيناريو:
- حجم الاختناق الاقتصادي. يمرّ عبر مضيق هرمز وحده نحو خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى مواد أولية أساسية تمثل نحو 30% من الإنتاج العالمي للأسمدة. وأي إغلاق طويل الأمد لمضيق باب المندب، الذي يستحوذ وحده على نحو 15% من حركة الملاحة البحرية العالمية، من شأنه أن يضيف اختناقًا ثانيًا إلى اقتصاد يعاني أصلًا من ضغوط شديدة.
- سوابق تدل على تصميم معلن. منذ شهر مايو، ألمح حلف الناتو إلى أن التدخل ليس مستبعدًا “إذا توفرت الظروف المناسبة”، في وقت كان فيه إغلاق مضيق هرمز قد أدى إلى تجميد نحو 150 سفينة، وأفرز نظام رسوم غير رسمي قد يصل إلى مليوني دولار لكل ناقلة نفط.
- انخراط غربي قائم بالفعل، وإن كان محدودًا. تنشط في المنطقة منذ سنوات مهمات أوروبية لتأمين الملاحة البحرية (أسبيدس، أتالانتا)، وقد نفذت بعض الدول الأعضاء، ومنها فرنسا، ضربات سابقة ضد الحوثيين. وتوسيع صلاحيات هذه المهمات في مواجهة فقدان السيطرة على باب المندب سيكون بمثابة تصعيد تدريجي أكثر منه إعلانًا للحرب.
- الضغط الاقتصادي الداخلي. في الولايات المتحدة، يشكل ارتفاع أسعار الوقود عبئًا سياسيًا على إدارة ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وهو عامل سبق أن دفع واشنطن إلى البحث عن التهدئة بدلًا من توسيع النزاع.
لماذا لا شيء يؤكد حتمية الحرب
في المقابل، ثمة عناصر عدة تدعو إلى التحفظ في أي تنبؤ:
- تجنبت واشنطن حتى الآن الانخراط العسكري المباشر ضد الحوثيين، حتى في مواجهة الطلبات السعودية. فبعد ضربة خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب، لم ترد الإدارة الأمريكية عسكريًا دعمًا للرياض.
- الحوثيون أنفسهم يضبطون تحركاتهم بعناية. فقد أكد المتحدث باسمهم أن الملاحة تظل آمنة لجميع شركات الشحن باستثناء السفن السعودية، وهو ما يشير إلى أنهم يسعون إلى ورقة ضغط تفاوضية وليس إلى حصار شامل وفوري من شأنه أن يوحّد المجتمع البحري الدولي بأسره ضدهم.
- لا يملك الناتو تفويضًا تلقائيًا: فأي تدخل يستلزم إما هجومًا مباشرًا على دولة عضو، أو قرارًا سياسيًا توافقيًا بين الدول الأعضاء الاثنتين والثلاثين، وهو توافق بعيد عن أن يكون مضمونًا، في ظل انقسام الرأي العام الأوروبي حول الانخراط في هذا النزاع.
- تُظهر سابقة مذكرة إسلام آباد (يونيو 2026) أن وقف إطلاق النار، مهما كان هشًا، يظل ممكنًا حين يصبح الضغط الاقتصادي غير محتمل لجميع الأطراف، بما فيها إيران، التي يعاني اقتصادها أصلًا من ضعف شديد جراء الحصارات المتبادلة.
ما ينبغي مراقبته
بدلًا من الجزم بحتمية الحرب، هناك ثلاثة مؤشرات ستتيح تقييم المسار الحقيقي للأزمة:
- إغلاق كامل محتمل لمضيق باب المندب (وليس فقط الحصار الحالي المحدود بالسفن السعودية)؛
- ضربة مباشرة تستهدف سفينة أو منشأة تابعة لدولة عضو في الناتو؛
- تطور أسعار خام برنت، التي تجاوزت بالفعل 106 دولارات، وتأثيرها السياسي في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.
التصعيد حقيقي وموثّق، وآثاره الاقتصادية باتت ملموسة بالفعل. لكن تحويل هذه الملاحظة إلى يقين بحدوث حرب بين الناتو وإيران يعني تجاهل الضمانات العديدة – الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية – التي حالت حتى الآن دون تحوّل كل مرحلة من هذه الأزمة إلى نزاع شامل.
تحليل أُعد استنادًا إلى المعلومات المتاحة حتى 13 سبتمبر 2026. ونظرًا لتطور الوضع، فمن المحتمل أن تتغير بعض العناصر بسرعة.