بعض التصريحات يمرّ دون أن يلفت الانتباه، ولا تتضح أهميته إلا لاحقًا. وقد يكون تصريح وزير القوات الجوية الأمريكية تروي مينك واحدًا منها. فبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، أشار إلى أن الولايات المتحدة تملك الآن أسلحة «للسيطرة الفضائية» في المدار. لم يعلن ذلك الرئيس ولا وزير الخارجية، ولم تُقدَّم أي تفاصيل تقنية. لكن المعنى واضح: ما كان مسكوتًا عنه أصبح واقعًا معترفًا به.
ما قالته واشنطن فعلًا
سأقتصر على ما هو ثابت. يشرف تروي مينك على القوات الجوية، ومن خلالها على «قوة الفضاء» (Space Force) التي أُنشئت عام 2019 خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب. وقد صرّح بأن بلاده ما زالت مستعدة لمواجهة تطور التهديدات، وأن الولايات المتحدة تملك لهذا الغرض أسلحة للسيطرة الفضائية في المدار.
وعندما سُئل عن طبيعة هذه المنظومات، ظلّ متحدث باسم قوة الفضاء غامضًا عن عمد. فـ«السيطرة على الفضاء»، كما أوضح في جوهر كلامه، قد تعتمد وسائل حركية وغير حركية للتأثير في قدرات الخصم. وأضاف أن هذه القدرات يمكن استخدامها لأغراض دفاعية وهجومية على السواء.
مصطلحان يستحقان الشرح. السلاح الحركي يعمل بالاصطدام المادي: قذيفة أو صاروخ أو مركبة تصطدم بهدفها. أما السلاح غير الحركي فيعمل دون تماس: التشويش، والهجمات السيبرانية، أو إعماء مستشعر بالليزر أو بنبضة كهرومغناطيسية.
وتبرّر واشنطن خطوتها بغياب الشفافية لدى موسكو وبكين، اللتين تقول إنهما تملكان بدورهما أسلحة في المدار. وأشير إلى أن هذه الاتهامات صادرة عن الجانب الأمريكي ولم تُوثَّق علنًا حتى الآن. وقد ندّدت الصين بما وصفته بالتحضير لحرب في الفضاء، وتجدد روسيا معارضتها لأي سلاح في المدار.
ما يحظره القانون الدولي وما يتركه مفتوحًا
يفترض كثير من القراء أن قانون الفضاء يمنع الأسلحة في المدار. والواقع أكثر تعقيدًا. فمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي وقّعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وغيرهما، تحظر وضع أسلحة نووية أو أي أسلحة دمار شامل أخرى في المدار. لكنها لا تحظر، بوصفها هذا، الأسلحة التقليدية في المدار.
ولهذا الحظر تاريخ. ففي عام 1962 فجّرت الولايات المتحدة قنبلة نووية على ارتفاع نحو 400 كيلومتر فوق المحيط الهادئ، في تجربة «ستارفيش برايم». وامتدت الآثار الكهرومغناطيسية حتى هاواي، فعطّلت معدات إلكترونية واتصالات، وتضررت عدة أقمار صناعية. وأقنعت الحادثة القوتين العظميين بأن هذه التجارب شديدة الخطورة. فحظرت معاهدة عام 1963 التجارب النووية في الغلاف الجوي والفضاء، وأكملت معاهدة 1967 الإطار فيما يخص الأسلحة ذاتها.
وهكذا يترك القانون الحالي منطقة رمادية واسعة، وهي المنطقة التي تدور فيها اليوم المنافسة بين القوى الكبرى.
لماذا يهتم القادة العسكريون بالمدار إلى هذا الحد
الجاذبية العسكرية بديهية. فالصاروخ المُطلق من الأراضي الصينية باتجاه الولايات المتحدة يجب أن يعبر المحيط الهادئ، حيث يمكن اعتراضه بطبقات دفاعية عدة: قواعد في غوام وهاواي وألاسكا وكاليفورنيا، إضافة إلى سفن منتشرة في المنطقة. وكلما طال المسار زاد الوقت المتاح للمدافع.
أما سلاح موضوع في المدار على بضع مئات من الكيلومترات فوق الخصم، فيقلّص هذه المهلة تقليصًا حادًا. وتضيق نافذة الاعتراض إلى حد يصبح فيه الدفاع صعبًا جدًا. ومن هذا المنطق تنشأ فكرة «ركيزة رابعة» للردع النووي، بعد الصوامع الأرضية والغواصات والطيران. فوسيلة إطلاق مدارية ستعقّد حسابات أي خصم يفكر في توجيه ضربة أولى.
وهذا القلق ليس نظريًا. ففي فبراير 2024 أعرب مسؤولون أمريكيون عن مخاوفهم من مشروع روسي محتمل لسلاح نووي مضاد للأقمار الصناعية في المدار، وهو ما كان سيخالف معاهدة 1967. وتفيد التقارير بأن واشنطن طلبت حينها من دول مثل الهند والصين الضغط على موسكو. ونفت روسيا ذلك.
عن أي أسلحة نتحدث
في غياب تفاصيل رسمية، لا يسعنا إلا الاستدلال مما هو معروف.
قدرات موثقة بالفعل
توجد منذ زمن طويل أقمار تجسس مخصصة للتصوير والتنصت الإلكتروني. وهناك أيضًا أقمار تُسمّى «المفتشة» أو أقمار الاقتراب، قادرة على الدنو من مركبة أخرى لمراقبتها أو التشويش عليها أو إرباك مستشعراتها.
وتثير فئة أحدث من المركبات المزوّدة بأذرع روبوتية قلقًا خاصًا. ففي عام 2022 اختبرت الصين قمرًا صناعيًا اقترن بقمر ملاحة «بايدو» خارج الخدمة ونقله إلى مدار «مقبرة». ووفق الفيديو الذي يستند إليه هذا المقال، أُفيد في أبريل 2026 بوجود مركبة صينية جديدة مزوّدة بذراع مناورة. أما المركبة القابلة لإعادة الاستخدام التي يسميها المراقبون «شنلونغ»، والتي لم تفصّل بكين مهمتها رسميًا، فيُقال إنها عادت إلى الأرض في 24 سبتمبر بعد نحو ثلاثة أشهر في المدار، التقطت خلالها قمرًا صناعيًا واحدًا وأطلقته مرارًا. وتحتاج هذه العناصر إلى تأكيد من مصادر متخصصة.
ومن الجانب الأمريكي، تتشابه الطائرة الفضائية العسكرية X-37B، التي تنفذ مهام سرية منذ أكثر من عقد، مع هذه الفئة من المركبات، وإن بقيت مداراتها في الغالب بعيدة عن المناطق كثيفة الحركة.
أسلحة أرضية
المنظومات الأرضية المضادة للأقمار الصناعية دخلت الخدمة بالفعل. إذ يُوجَّه ليزر أو نبضة كهرومغناطيسية نحو قمر صناعي معروف مساره، وهو مسار يمكن التنبؤ به بدقة. ووفق المعلومات الواردة في الفيديو، دمجت قوة الفضاء في يونيو 2026 المنظومة المتنقلة «ميدولاندز»، وهي سلاح طاقة موجّهة مصمم لتعطيل أقمار الخصم مؤقتًا.
ما قد تشمله «السيطرة الفضائية»
تتعايش فرضيات عدة. الأولى مركبات روبوتية قادرة على فحص أجسام الخصم أو الإمساك بها أو نقلها. والثانية أسلحة طاقة موجّهة، ليزرية أو كهرومغناطيسية، مثبتة على أقمار صناعية، إما لتعطيل أقمار أخرى وإما، نظريًا، لاستهداف الأرض. والثالثة صواريخ اعتراضية، على غرار مبادرة الدفاع الاستراتيجي في ثمانينيات القرن الماضي، التي تجعلها تقنيات اليوم أكثر مصداقية. ويتصل ذلك بمشروع «القبة الذهبية» الذي أعلنه دونالد ترامب علنًا، وليس متوقعًا أن يبلغ مكوّنه الفضائي النضج قبل عام 2028 بحسب جدول البنتاغون. وأخيرًا الأسلحة الحركية، بما تحمله من تبعات.
لا شيء من هذا مؤكد. ومن غير الحصيف الجزم، كما يوحي بعضهم، بأن هذه الأسلحة تفسّر تصريحات دونالد ترامب عن «ديسكومبوبولاتور» بعد العملية الأمريكية في فنزويلا. فهذا تخمين وليس واقعة ثابتة.
خطر الحطام
أخطر حجة ضد تسليح المدار هي خطر الحطام. فأي تصادم بسرعة مدارية، تبلغ عدة كيلومترات في الثانية، يفتّت الأجسام إلى آلاف الشظايا التي تبقى في المدار وقد تصيب أقمارًا أخرى. وفي عام 1978 وصف عالم ناسا دونالد كيسلر خطر تفاعل متسلسل عُرف لاحقًا بـ«متلازمة كيسلر»: فبعد عتبة معينة تغذّي التصادمات بعضها بعضًا، وتصبح بعض المدارات غير صالحة للاستخدام.
والدول تعرف هذا الخطر وقد قبلت به رغم ذلك. فقد أجرت الولايات المتحدة اختبارات مضادة للأقمار الصناعية في الستينيات ثم في عام 1985. ودمرت الصين أحد أقمارها للأرصاد الجوية عام 2007، فنشرت سحابة كبيرة من الحطام. ودمرت روسيا أحد أقمارها في نوفمبر 2021، ما اضطر طاقم محطة الفضاء الدولية إلى الاحتماء.
ووضع الأسلحة في المدار يفاقم المعادلة: ففي حال نشوب نزاع تصبح هذه الأسلحة أهدافًا مشروعة، وكل محاولة لتعطيلها تولّد مزيدًا من الحطام. والمجتمعات الحديثة تعتمد على الأقمار الصناعية في الملاحة والاتصالات والمال والأرصاد الجوية والزراعة. والجيوش الأمريكية معتمدة عليها بوجه خاص، وهذه نقطة قوتها ونقطة ضعفها في آن واحد.
قراءتان للإعلان
ثمة طريقتان لفهم هذه الخطوة. الأولى، وهي قراءة واشنطن نفسها، قراءة شفافية: ما دام الجميع يطوّر هذه القدرات، فالأفضل الاعتراف بها ووضع قواعد. والثانية أكثر نقدًا: بتطبيع وجود أسلحة في المدار، تسرّع الولايات المتحدة سباق تسلح تغذّيه الصين وروسيا أيضًا.
ولا تستبعد إحدى القراءتين الأخرى. فمؤسسة «سكيور وورلد» المذكورة في الفيديو تقدّر أن نحو اثنتي عشرة دولة، منها فرنسا والهند واليابان والمملكة المتحدة وأستراليا وإسرائيل وإيران والكوريتان، تطوّر قدرات فضائية عسكرية. ويبقى أن نرى هل ستحذو بعضها حذو الولايات المتحدة.
السيناريوهات التي تقلق الخبراء
تطرح عدة حالات مشكلات قانونية واستراتيجية بلا إجابة واضحة:
- دولة مثل كوريا الشمالية تضع رأسًا نوويًا في المدار. فهل قد تؤدي محاولة نقله إلى انفجاره؟
- هل يصبح قمر تجاري أو حليف يزوّد طرفًا متحاربًا بالمعلومات الاستخبارية هدفًا مشروعًا؟
- قمر تجسس وطني تلتقطه مركبة أجنبية. ما سبل الانتصاف المتاحة، ولدى من؟
- نشر سلاح طاقة موجّهة في المدار. هل ينبغي اعتباره سلاح دمار شامل؟
لا توجد اليوم آلية عقوبات أو تحقق تحسم هذه الحالات.
سؤال مفتوح
ما أخرج به من هذا الإعلان ليس الكشف التقني، الذي لا يزال مجهولًا، بل تغيّر الموقف. فعلى مدى عقود حافظت القوى الفضائية على غموض مريح. وقد تصدّع هذا الغموض الآن. وعلى الدبلوماسية أن تحدد ما إذا كانت هذه الشفافية تفتح الطريق أمام قواعد، أم أنها تكرّس سباقًا بدأ بالفعل.
الأسئلة الشائعة
هل الأسلحة في الفضاء محظورة؟
الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وحدها محظورة في المدار بموجب معاهدة 1967. أما الأسلحة الأخرى فليست محظورة صراحةً، ما يترك منطقة رمادية قانونية.
ما هو السلاح الحركي؟
هو سلاح يدمّر هدفه بالاصطدام المادي، كقذيفة أو مركبة تصطدم به. ويقابله السلاح غير الحركي، كالتشويش أو الليزر.
لماذا يمثّل الحطام الفضائي مشكلة؟
يبقى في المدار بسرعة عالية جدًا وقد يضر بأقمار أخرى. وقد يؤدي تراكمه المفرط إلى جعل بعض المدارات غير صالحة للاستخدام، وهو سيناريو يُعرف بمتلازمة كيسلر.
هل حددت الولايات المتحدة طبيعة هذه الأسلحة؟
لا. تتحدث السلطات عن وسائل حركية أو غير حركية للاستخدام الدفاعي والهجومي، دون مزيد من التفاصيل.