فبعد سنوات من الانتقادات الموجهة إلى المجلس، اختارت إدارة ترامب مرة أخرى الابتعاد عن هذه الهيئة التي يوجد مقرها في جنيف.
- الولايات المتحدة تنسحب مجدداً من مجلس حقوق الإنسان
- لماذا تنتقد واشنطن مجلس حقوق الإنسان؟
- قرار يأتي في لحظة دبلوماسية حساسة
- مجلس حقوق الإنسان يواصل عمله من دون الولايات المتحدة
- الصين وقوى أخرى تحصل على مساحة دبلوماسية أكبر
- واشنطن لا تنسحب من الأمم المتحدة
- تحول أعمق في الدبلوماسية الأميركية
- أوروبا أمام شريك أميركي مختلف
- مفارقة الانسحاب الأميركي
- خريطة دبلوماسية عالمية جديدة
- ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى النظام الدولي؟
- الأسئلة الشائعة
ولا تقتصر هذه الخطوة على مجرد خلاف دبلوماسي مع مؤسسة دولية، بل تعكس توجهاً أميركياً أوسع يشكك بشكل متزايد في فعالية المؤسسات متعددة الأطراف وقدرتها على التعامل مع الأزمات والصراعات الدولية.
وترى واشنطن أن المشكلة لا تتعلق بالمجلس وحده، بل بما تعتبره اختلالاً في طريقة تعامل المؤسسة مع بعض الدول والقضايا. وفي المقابل، يرى منتقدو القرار أن الانسحاب الأميركي قد يضعف الجهود الدولية الرامية إلى الدفاع عن حقوق الإنسان.
وفي عام 2026، يأتي هذا القرار في سياق تحول أوسع يشهده النظام الدبلوماسي العالمي.
الولايات المتحدة تنسحب مجدداً من مجلس حقوق الإنسان
تملك الولايات المتحدة علاقة طويلة ومعقدة مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
فقد شاركت واشنطن بشكل نشط في أعمال المجلس خلال إدارات أميركية مختلفة، لكنها وجهت في مناسبات عديدة انتقادات إلى طريقة عمله. وكانت إدارة ترامب قد قررت بالفعل انسحاب الولايات المتحدة من المجلس خلال ولايتها الأولى.
ويعزز الانسحاب الجديد هذا التوجه.
وترى واشنطن أن المجلس أصبح مؤسسة لا تتوافق أولوياتها السياسية دائماً مع المصالح الدبلوماسية الأميركية. كما انتقدت الولايات المتحدة بشكل خاص ما تعتبره اهتماماً غير متناسب بإسرائيل، إلى جانب ما تصفه بضعف الضغط على دول متهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
وبالتالي، فإن القرار يتجاوز مجرد الخلاف حول قرارات محددة، ويطرح سؤالاً أوسع حول الدور الذي تريد واشنطن أن تلعبه داخل النظام الدولي.
لماذا تنتقد واشنطن مجلس حقوق الإنسان؟
تركز الانتقادات الأميركية على عدة قضايا متكررة.
التعامل مع إسرائيل
تعد طريقة تعامل المجلس مع إسرائيل من أكثر الملفات حساسية.
فقد أكدت إدارات أميركية مختلفة في مناسبات عديدة أن إسرائيل تحظى باهتمام أكبر من دول أخرى تواجه أيضاً اتهامات بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
ولهذا، تشكك واشنطن في قدرة المجلس على العمل فعلياً كآلية دولية محايدة.
مشاركة حكومات ذات سجلات مثيرة للجدل
يتعلق انتقاد آخر بمشاركة دول تواجه حكوماتها نفسها انتقادات واسعة بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان.
ومن وجهة النظر الأميركية، فإن السماح لحكومات متهمة بانتهاكات خطيرة بالمشاركة في المجلس يمكن أن يؤثر على مصداقية المؤسسة.
وترى الولايات المتحدة أن الهيئة المكلفة بالدفاع عن حقوق الإنسان يجب أن تطبق معايير صارمة على الدول التي تشارك فيها.
فعالية المؤسسات متعددة الأطراف
كما يعكس الخلاف قضية أوسع تتعلق بمدى فعالية المنظمات الدولية.
فواشنطن تولي اهتماماً متزايداً بالدبلوماسية الثنائية، والتحالفات الاستراتيجية والمصالح الوطنية، بدلاً من الاعتماد بشكل حصري على الآليات متعددة الأطراف.
ولا يعني هذا التوجه بالضرورة التخلي عن الدبلوماسية الدولية، بل يعكس تفضيلاً أكبر للتفاوض المباشر مع الدول أو ضمن تحالفات استراتيجية محددة.
قرار يأتي في لحظة دبلوماسية حساسة
يأتي الانسحاب الأميركي في وقت يشهد فيه النظام الدولي بالفعل تحولات كبيرة.
فالحرب في أوكرانيا، والتوترات بين الولايات المتحدة والصين، والصراعات في الشرق الأوسط، وصعود قوى إقليمية جديدة، كلها عوامل تعيد تشكيل التوازنات الدبلوماسية التقليدية.
وفي هذا السياق، تكتسب أي خطوة تتعلق بالمؤسسات الدولية الكبرى أهمية رمزية خاصة.
ولا تزال الولايات المتحدة واحدة من أبرز القوى الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية في العالم. ولذلك، فإن غيابها عن مجلس حقوق الإنسان ستكون له تداعيات تتجاوز بكثير حدود جنيف.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت دول أخرى ستستفيد من هذا الوضع لتعزيز نفوذها داخل المجلس.
مجلس حقوق الإنسان يواصل عمله من دون الولايات المتحدة
لا يعني خروج الولايات المتحدة أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سيتوقف عن العمل.
فالمجلس يواصل نشاطه بمشاركة أعضائه الحاليين، ويستمر في تنظيم المناقشات والتحقيقات وإصدار القرارات وتفعيل الآليات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
لكن غياب واشنطن يغير التوازن الدبلوماسي داخل المؤسسة.
فقد كانت الولايات المتحدة تستخدم نفوذها الدبلوماسي تقليدياً لدعم بعض المواقف ومواجهة مواقف أخرى.
ومع عدم وجود وفد أميركي يشارك بشكل مباشر في أعمال المجلس، قد تحصل دول أخرى على مساحة أكبر للتأثير في النقاشات وتحديد الأولويات.
لكن هذا لا يعني تلقائياً أن دولة واحدة ستحل محل الولايات المتحدة. فالمجلس يبقى مؤسسة متعددة الأطراف تضم دولاً عديدة ذات مصالح ومواقف مختلفة.
الصين وقوى أخرى تحصل على مساحة دبلوماسية أكبر
يثير الانسحاب الأميركي أيضاً تساؤلات حول تطور نفوذ الصين وغيرها من القوى الكبرى.
فقد وسعت الصين بشكل كبير حضورها الدبلوماسي داخل المنظمات الدولية خلال السنوات الماضية. وتؤكد بكين باستمرار على مبدأ سيادة الدول، كما تركز على قضايا التنمية والاقتصاد إلى جانب ملفات حقوق الإنسان.
كما تسعى دول أخرى، من بينها روسيا وعدد من القوى الصاعدة، إلى تعزيز قدرتها على التأثير في النقاش الدولي.
وقد يساهم غياب الولايات المتحدة في إعادة توزيع أوسع للنفوذ الدبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.
لكن النتائج الفعلية ستعتمد على الطريقة التي ستتعامل بها الدول الأخرى مع هذه المساحة الجديدة، وعلى قدرتها على بناء تحالفات مستدامة داخل المجلس.
واشنطن لا تنسحب من الأمم المتحدة
من المهم التمييز بين الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان والانسحاب من الأمم المتحدة نفسها.
فالولايات المتحدة لا تزال عضواً في الأمم المتحدة وتواصل مشاركتها في العديد من المؤسسات والآليات الدبلوماسية الدولية.
وبالتالي، لا تزال واشنطن تمتلك حضوراً مهماً داخل منظومة الأمم المتحدة.
ويجب فهم الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان باعتباره قراراً سياسياً محدداً، وليس قطيعة شاملة مع الأمم المتحدة.
وهذا التمييز ضروري لفهم النطاق الحقيقي للقرار.
تحول أعمق في الدبلوماسية الأميركية
تأتي قضية مجلس حقوق الإنسان في إطار تحول أوسع في السياسة الخارجية الأميركية.
فواشنطن تركز بشكل متزايد على السيادة الوطنية، والمصالح الاقتصادية، وأمن الحدود، والمنافسة الاستراتيجية، والمفاوضات المباشرة.
ويختلف هذا التوجه عن الرؤية التقليدية التي جعلت الولايات المتحدة منخرطة بشكل كبير في بناء المؤسسات متعددة الأطراف والحفاظ عليها.
ولا يعني هذا التحول اختفاء النفوذ الأميركي على الساحة الدولية، وإنما يعكس تغيراً في الأدوات التي تفضل واشنطن استخدامها.
فبدلاً من دعم جميع الأطر متعددة الأطراف بشكل تلقائي، أصبحت الولايات المتحدة تنظر بشكل أكثر انتقائية إلى المؤسسات الدولية، وفقاً لمدى توافقها مع أهدافها الاستراتيجية.
أوروبا أمام شريك أميركي مختلف
يطرح تغير السياسة الدبلوماسية الأميركية أيضاً تحديات أمام الدول الأوروبية.
فعلى مدى عقود، حافظت الولايات المتحدة وأوروبا على علاقة وثيقة قائمة على مؤسسات مشتركة وأولويات دبلوماسية متقاربة.
لكن الاختلافات حول المؤسسات الدولية، والإنفاق الدفاعي، والتجارة، والشرق الأوسط، والعلاقات مع الصين، أصبحت أكثر وضوحاً.
ويمثل الانسحاب الأميركي من مجلس حقوق الإنسان مثالاً إضافياً على التغير الذي تشهده العلاقة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين.
وتجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام بيئة دولية يمكن أن تختلف فيها الأولويات الدبلوماسية الأميركية بشكل أكثر وضوحاً عن أولويات المؤسسات الأوروبية.
مفارقة الانسحاب الأميركي
هناك مفارقة مهمة في صميم هذا القرار.
فالولايات المتحدة تعتبر أن مجلس حقوق الإنسان يعاني من عدم الفعالية أو من اختلال سياسي. لكن مغادرة المؤسسة تعني أيضاً التخلي عن منصة كان بإمكان واشنطن استخدامها للتأثير في نقاشاتها.
وبالتالي، قد يقلل الانسحاب من تعرض الولايات المتحدة لقرارات تعتبرها إشكالية، لكنه في الوقت نفسه يقلل من قدرتها على مواجهتها مباشرة من داخل المؤسسة.
وهذه إحدى القضايا الأساسية التي يطرحها القرار.
هل يكون التأثير أكثر فعالية من داخل مؤسسة، حتى عندما تكون هناك انتقادات لطريقة عملها، أم من خارجها، حيث تستطيع واشنطن تنفيذ استراتيجيتها الدبلوماسية الخاصة؟
ستعتمد الإجابة إلى حد كبير على الطريقة التي ستقيّم بها الإدارات الأميركية المقبلة التوازن بين المشاركة متعددة الأطراف والأولويات الاستراتيجية الوطنية.
خريطة دبلوماسية عالمية جديدة
يعكس القرار الأميركي تحولاً أوسع في الدبلوماسية الدولية.
فالنظام العالمي لم يعد يتركز حول مركز سياسي واحد. فقد أصبحت الصين قوة اقتصادية ودبلوماسية كبرى، كما تعمل القوى الإقليمية على تعزيز مواقعها، وتسعى دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط بشكل متزايد إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
والنتيجة هي بيئة دولية أكثر تشتتاً وتعقيداً.
أما بالنسبة لواشنطن، فيتمثل التحدي في الحفاظ على نفوذها العالمي مع اختيار أكثر انتقائية للمؤسسات متعددة الأطراف التي تريد المشاركة فيها والطريقة التي تريد من خلالها المشاركة.
وبالنسبة إلى الدول الأخرى، فإن غياب الولايات المتحدة يخلق في الوقت نفسه فرصاً ومسؤوليات جديدة.
يمكن للولايات المتحدة أن تغادر منتدى دبلوماسياً، لكن القضايا التي تتم مناقشتها داخله لا تختفي.
فحقوق الإنسان، والقانون الدولي، والصراعات والأزمات الإنسانية ستواصل حضورها في النقاش العالمي.
لكن ما يتغير هو توازن الأصوات المشاركة بشكل مباشر في هذه النقاشات.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى النظام الدولي؟
ينبغي فهم انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة باعتباره جزءاً من تحول جيوسياسي أكبر بكثير.
فالقرار يعكس التوتر المتزايد بين مقاربتين للعلاقات الدولية.
الأولى تركز على المؤسسات متعددة الأطراف، والتعاون الدولي والأطر الدبلوماسية المشتركة.
أما الثانية فتعطي أهمية أكبر للسيادة الوطنية، والمفاوضات الثنائية والمصالح الاستراتيجية.
وتتجه الولايات المتحدة بشكل متزايد نحو المقاربة الثانية.
وسيعتمد تأثير هذه الاستراتيجية على تطورات العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة، ولا سيما العلاقات مع الصين وروسيا وأوروبا والقوى الصاعدة.
لكن المؤكد هو أن علاقة واشنطن بالمؤسسات الدولية تتغير، وأن هذا التحول سيواصل التأثير في شكل الدبلوماسية العالمية.
الأسئلة الشائعة
لماذا انسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؟
انتقدت الولايات المتحدة المجلس بسبب ما تعتبره واشنطن انحيازاً سياسياً، واهتماماً غير متناسب بإسرائيل، إلى جانب مشاركة حكومات تواجه انتقادات بشأن سجلاتها في مجال حقوق الإنسان.
هل تنسحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة؟
لا. فالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان لا يعني انسحاب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة. ولا تزال واشنطن عضواً في المنظمة وتواصل مشاركتها في مؤسسات وآليات دولية أخرى.
هل يؤدي الانسحاب الأميركي إلى إضعاف مجلس حقوق الإنسان؟
يواصل المجلس عمله من دون الولايات المتحدة. لكن غياب واشنطن يغير التوازن الدبلوماسي داخل المؤسسة، وينهي المشاركة الأميركية المباشرة في نقاشاتها وقراراتها.
هل يمكن أن تزداد نفوذ الصين؟
الصين لاعب مهم بالفعل داخل منظومة الأمم المتحدة. وقد يمنح غياب الولايات المتحدة عن مجلس حقوق الإنسان مساحة دبلوماسية إضافية للصين ودول أخرى، إلا أن التأثير الفعلي سيعتمد على التحالفات والمفاوضات المستقبلية.