لم تعد المملكة ذلك الشريك الأصغر الذي يمكن توبيخه دون عواقب. فاليوم، يمتلك المغرب شبكة واسعة من التحالفات، وأوراق ضغط اقتصادية مهمة، وموقعاً جغرافياً يجعل أي سياسة أوروبية قائمة على الضغط محفوفة بالمخاطر — بالنسبة إلى أوروبا نفسها.
شبكة من الشراكات تتجاوز بروكسل بكثير
خلال العقد الماضي، عمل المغرب على تنويع شركائه الاستراتيجيين، تحديداً لتجنب الاعتماد على كتلة واحدة.
مع الولايات المتحدة، تتجاوز العلاقات بكثير حدود الدبلوماسية الشكلية: فقد اعترفت واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية سنة 2020، وهناك اتفاق تعاون عسكري لمدة عشر سنوات، كما تُعد المملكة من بين أبرز زبائن الولايات المتحدة في مجال الأسلحة في القارة. وفي الوقت الذي تعمل فيه إدارة ترامب على زيادة التوترات التجارية والجمركية مع الاتحاد الأوروبي، تعمل الرباط على تعزيز علاقة ثنائية مباشرة ومتميزة مع واشنطن — وهي علاقة أصبحت أوروبا نفسها تجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على مستوى مماثل منها.
مع إسرائيل، انتقل التعاون من المستوى الرمزي إلى المستوى الهيكلي: اتفاقيات أبراهام، ولجنة عسكرية مشتركة، ونقل للتكنولوجيا، وإنشاء مصانع للطائرات المسيّرة القتالية على الأراضي المغربية — وهو امتياز صناعي لا تمنحه إسرائيل سوى لعدد محدود من شركائها في العالم العربي.
أما مع روسيا، فإن العلاقة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 65 عاماً لا تزال متماسكة رغم السياق الدولي: إذ تعتبر موسكو المغرب أحد شركائها التجاريين الرئيسيين في إفريقيا، فيما تستمر المبادلات التجارية الثنائية رغم العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. ويشمل التعاون مجالات مثل الصيد البحري، إلى جانب حضور شركات صناعية روسية مثل كاماز، فضلاً عن تقارب معلن بشأن ملف الصحراء. ولا تملك موسكو مصلحة في رؤية الرباط تنخرط في نهج أوروبي متشدد، وهي توضح هذا الموقف.
ومع الصين، رسخ المغرب موقعه كمنصة للوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية، مستقطباً استثمارات صناعية كبرى في البطاريات وصناعة السيارات، مستفيداً من موقعه خارج الاتحاد الأوروبي لجذب رؤوس الأموال التي قد ترغب بروكسل أحياناً في وضع قيود عليها.
ومع الهند، تعزز التعاون في مجال الدفاع، خصوصاً من خلال إنشاء مصانع للمركبات المدرعة، ما يجعل المغرب بوابة للخبرات والتكنولوجيا العسكرية الهندية نحو إفريقيا.
وعلى مستوى القارة الإفريقية، ومن خلال المبادرة الأطلسية الموجهة إلى دول الساحل والاستثمارات الزراعية والمصرفية الكبرى، بنى المغرب نفوذاً يصعب على الدبلوماسية الأوروبية منافسته على أرض الواقع.
حتى داخل الاتحاد الأوروبي، لن يتبع الجميع بروكسل
هذه هي النقطة التي يتجاهلها قرار البرلمان الأوروبي تماماً: فالإجماع الذي ظهر في ستراسبورغ لن يصمد أمام المصالح الاقتصادية الوطنية. ففرنسا، باعتبارها أكبر مستثمر أجنبي في المغرب وأحد أبرز شركائه التجاريين، بنت حول رونو وسلسلة كاملة من شركات المناولة في قطاع السيارات نسيجاً صناعياً لن تتخلى عنه أي حكومة فرنسية بسبب نص رمزي صوّت عليه البرلمان بأغلبية نسبية.
أما ألمانيا، التي نقل العديد من موردي قطاع السيارات فيها جزءاً كبيراً من إنتاجهم إلى طنجة والقنيطرة، فتواجه الحسابات نفسها. وحتى إسبانيا، رغم كونها مصدر الهجوم الدبلوماسي، لا تزال عالقة في حالة من الترابط الاقتصادي لا يمكن كسرها بين ليلة وضحاها: فمزارعوها وصيادوها وجزء من صناعتها النسيجية يعتمدون بشكل مباشر على التعاون الاقتصادي مع المغرب، كما أن أمن حدودها يعتمد على التعاون مع الأجهزة الأمنية المغربية.
يمكن لبروكسل أن تصوّت على ما تشاء، لكن العواصم الأوروبية، واحدة تلو الأخرى، هي التي ستتفاوض لاحقاً وفقاً لما لديها فعلياً من مصالح وما يمكن أن تخسره — والعديد منها لديه ما يخسره في مواجهة مع الرباط أكثر بكثير مما يمكن أن يربحه.
الفوسفات: ورقة لا يمتلكها أحد سواه
هذه بلا شك إحدى أوراق القوة التي يقلل المسؤولون الأوروبيون من أهميتها. يمتلك المغرب نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من الفوسفات — وهي المادة الخام الأساسية لإنتاج الأسمدة، وبالتالي للزراعة والإنتاج الغذائي العالمي.
ومن خلال مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، يمثل المغرب بمفرده نحو 31% من السوق العالمية للفوسفات ومشتقاته، ويزوّد أوروبا والبرازيل والهند وجزءاً كبيراً من القطاع الزراعي الإفريقي.
وفي عالم أثبتت فيه التوترات في الشرق الأوسط هشاشة سلاسل إمدادات الأسمدة، فإن دولة تسيطر على مورد بهذه الدرجة من التركّز والأهمية لا يمكن التعامل معها كشريك يمكن إغضابه دون التفكير ملياً في العواقب.
صناعة دفاعية تتطور بسرعة
تسجل ميزانية الدفاع المغربية مستويات قياسية سنة بعد أخرى، ولم تعد المملكة تكتفي بالشراء، بل بدأت في التصنيع أيضاً.
مصنع للمركبات المدرعة بالتعاون مع الهند في برشيد، ومركز إقليمي لصيانة الطائرات العسكرية في بنسليمان بالتعاون مع لوكهيد مارتن، وصناعة ناشئة للطائرات المسيّرة القتالية بالتعاون مع إسرائيل — يعمل المغرب بشكل متعمد على تنويع موردي الأسلحة لديه (الولايات المتحدة، إسرائيل، الصين، روسيا، تركيا والهند)، بهدف عدم الاعتماد على أي كتلة واحدة، بما فيها أوروبا.
الموقع الجغرافي: مفتاح المضيق حرفياً
يسيطر المغرب على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، الذي يمثل نقطة عبور حيوية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، كما يشكل بوابة نحو غرب إفريقيا من خلال مبادرته الأطلسية لصالح دول الساحل غير الساحلية.
وأي سياسة أوروبية تتعلق بالهجرة أو الأمن أو التجارة تجاه إفريقيا تمر، بطريقة أو بأخرى، عبر شكل من أشكال التعاون مع المغرب.
ما الذي تخاطر به أوروبا تحديداً عندما تقلل من أهمية كل ذلك؟
- اعتماد غذائي سيئ التفاوض: إضعاف العلاقات مع أحد أهم موردي الفوسفات في العالم في وقت يعتمد فيه الأمن الغذائي الأوروبي أصلاً على سلاسل إمداد تعاني من ضغوط متزايدة.
- خسارة ورقة الهجرة: من دون تعاون مغربي نشط، تخسر أوروبا أحد أهم شركائها العملياتيين على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية.
- شريك قادر على التوجه نحو شركاء آخرين أسرع مما يُعتقد: كل ضغط أوروبي يدفع الرباط إلى تعميق علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب وموسكو وبكين ونيودلهي — وهي علاقات قائمة بالفعل وقادرة على استيعاب الفراغ الذي قد تتركه أوروبا إذا ابتعدت عن المغرب.
- وحدة أوروبية شكلية: يعطي القرار انطباعاً بوجود جبهة أوروبية موحدة، في حين أن فرنسا وألمانيا وحتى إسبانيا لديها مصالح اقتصادية كبيرة في المغرب تجعل تطبيق سياسة متشددة أمراً معقداً عملياً. وقد تجد بروكسل نفسها أمام نص تقوم الدول الأعضاء نفسها لاحقاً بتفريغه من مضمونه.
- نافذة هشاشة عبر الأطلسي: في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا أصلاً توترات تجارية مع إدارة ترامب، فإنها تخاطر بدفع شريك استراتيجي في الجنوب مباشرة نحو واشنطن، التي قد تكون مستعدة للاستفادة من هذا التقارب.
- خسارة النفوذ في إفريقيا: مع ترسيخ المغرب لموقعه كمنصة نحو منطقة الساحل وغرب إفريقيا، فإن كل توتر جديد مع الرباط يبعد أوروبا أكثر عن قارة تتنافس فيها بالفعل مع الصين وروسيا وتركيا.
- ارتداد دبلوماسي: من خلال الاعتماد على قرار غير ملزم يُنظر إليه خارج أوروبا على أنه مبالغ فيه، تخاطر بروكسل بتعزيز فكرة أنها تتصرف بدافع رد الفعل وليس وفق استراتيجية واضحة — وهي صورة قد لا تخدمها في المفاوضات المقبلة.