عندما تتقدم شركة داسو أفياسيون بشكوى بشأن أعمال تخريب ارتُكبت داخل المصنع نفسه الذي تُجمَّع فيه مقاتلاتها، فإننا لم نعد أمام حادثة صناعية عابرة. إننا أمام ثغرة أمنية في صميم أبرز برنامج تسليح رمزي في فرنسا. والأكثر لفتاً للانتباه في هذه القضية، التي اتضحت معالمها خلال الأيام الأخيرة، أنها ليست حادثة معزولة، بل عرض ظاهر لظاهرة أوسع تمس في آنٍ واحد الطيران العسكري والصناعة النووية وتصنيع الطائرات المسيّرة.
تفحصتُ الحوادث الثلاثة التي كُشف عنها منذ فبراير، والطريقة التي اختارت بها الدولة الرد عليها، وما تقوله عن صعوبة تأمين قطاع يوظّف أكثر من 200 ألف شخص في فرنسا.
ما حدث في مصنع سيرجي
في 25 سبتمبر 2026، أكدت داسو أفياسيون أنها تقدمت بشكوى بشأن أعمال إتلاف رُصدت في موقعها بمدينة سيرجي، في محافظة فال دواز، حيث تُجمَّع طائرات الرافال. وتم توقيف أحد موظفي الموقع. ولم توضح الشركة المصنِّعة طبيعة الأضرار بدقة ولا تأثيرها على الجدول الزمني للإنتاج، لكن التغطيات الصحفية أثبتت أن هذه الوقائع تندرج ضمن سلسلة أطول: فقد سبق أن عُثر على طائرة قيد التصنيع متضررة في أواخر عام 2025، ورُصدت أعمال تخريب جديدة في يونيو 2026 على خط الإنتاج، وفق معلومات أكدتها لاحقاً عدة وسائل إعلام. ويبدو، وفق المعطيات الأولية، أن هذا الإتلاف مرتبط بتوترات داخلية في الشركة أكثر من ارتباطه بعملية تجسس واضحة المعالم.
بيد أن هذا لم يكن الإنذار الأول في هذا الموقع. ففي فبراير 2026، أُوقف عامل مؤقت يبلغ من العمر 19 عاماً، كان يعمل فنّي تمديدات كهربائية، بعد أن ضُبط في منطقة حساسة وبحوزته نظارات مزوّدة بكاميرا، في إطار تحقيق بشبهة تجسس لصالح دولة أجنبية. أما مصنع سيرجي، الذي يعمل فيه أكثر من 600 موظف منذ صيف 2024، فلم يُفتتح إلا في سبتمبر 2025: أي أنه شهد إنذارين أمنيين كبيرين خلال أقل من سنة من التشغيل.
من الناحية القانونية، تحيل كلمة “تخريب” إلى تصنيف جزائي دقيق. فالمادة 411-9 من قانون العقوبات الفرنسي تعاقب بالسجن خمس عشرة سنة وغرامة قدرها 225 ألف يورو كل من يدمّر أو يُتلف أو يحوّل أو يُدخل عيباً على معدات أو منشآت بشكل يمسّ بالمصالح الأساسية للأمة. وترتفع العقوبة إلى عشرين سنة و300 ألف يورو إذا ارتُكب الفعل لصالح دولة أو منظمة أجنبية. وحتى الآن، لم تُحدد النيابة العامة ولا داسو أفياسيون ما إذا كان هذا التصنيف المشدد هو المعتمد في القضية.
قبل شهر، سرقة مادة استراتيجية لدى شركة فراماتوم
كانت قضية الرافال ستبدو حادثة معزولة لولا أن سبقتها، في الشهر الذي قبله، واقعة أخرى كاشفة لدى شركة فراماتوم، أحد كبار أسماء الصناعة النووية الفرنسية. إذ يُشتبه في أن موظفاً سرق كمية من الهافنيوم، وهو معدن نادر تنتجه فراماتوم كسبيكة عالية النقاء في موقعها بجاري، وتُستخدم بشكل خاص في الدفع النووي البحري. وهذا المعدن، المشتق من الزركونيوم ذي الجودة النووية، يدخل في صناعة مكونات المفاعلات وتوربينات الطيران وأنظمة الدفاع المتقدمة، بفضل مقاومته الاستثنائية للحرارة والتآكل. ويُرجَّح أن الموظف باع المادة لحسابه الشخصي، بخسارة تُقدَّر بمئات آلاف اليوروهات.
واللافت في هذه الواقعة ليس فقط حجم الاختلاس، بل كون المادة المسروقة تشترط توافرها مباشرة برامج استراتيجية مثل الغواصات النووية الهجومية من طراز سوفران، التي تبنيها شركة نافال غروب بالشراكة مع هيئة الطاقة الذرية “CEA” وفراماتوم كشريكين صناعيين. فسرقة تبدو للوهلة الأولى مسألة إثراء شخصي، تكشف في حقيقتها عن ثغرة في تتبع مواد مصنّفة حساسة.
قطاع مكشوف حتى في تصنيع الطائرات المسيّرة
أما الحلقة الثالثة في هذه السلسلة فتتعلق بصناعة الطائرات المسيّرة العسكرية، التي تشهد ازدهاراً كبيراً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. ففي يونيو 2026، أُوقف مواطن بيلاروسي بعد أن صوّر أثناء الطيران طائرة مسيّرة صنّعتها شركة قرب مدينة تولوز. ووفق المحققين، من المرجح أن تكون تلك المقاطع قد أُرسلت لاحقاً إلى روسيا. وينفي المشتبه به أي تورط في عملية استخباراتية.
وتُبرز هذه الحادثة بُعداً لم تتطرق إليه القضيتان الأوليان مباشرة: تداخل السلوك الفردي المسيء مع التدخل الأجنبي. ففي قطاع يضم تسع مجموعات صناعية كبرى ونحو 4 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة من المتعاقدين من الباطن، تصبح مراقبة كل منصب حساس تحدياً تنظيمياً بقدر ما هو تحدٍ أمني.
وتساعد بعض الأرقام على قياس حجم النسيج الصناعي المعني:
- تسع مجموعات صناعية كبرى ونحو 4 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة تشكل القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الفرنسية
- يمثل هذا القطاع نحو 210 آلاف وظيفة على المستوى الوطني
- شهد مصنع داسو أفياسيون في سيرجي حادثين أمنيين منفصلين خلال أقل من سنة، أحدهما بشبهة تجسس
- تُقدَّر الخسارة الناجمة عن سرقة الهافنيوم لدى فراماتوم بمئات آلاف اليوروهات
رد الدولة أمام تهديد يُوصف بأنه هجين
تأتي هذه الحوادث في سياق كانت فيه السلطة التنفيذية قد أخذت بالفعل علماً بتطور طبيعة التهديد. ففي 18 سبتمبر، جمع الرئيس إيمانويل ماكرون قادة الأحزاب السياسية الرئيسية في قصر الإليزيه لمناقشة تصاعد ما تصفه الحكومة بالتهديد الهجين الروسي، الذي يجمع بين الهجمات الإلكترونية ومحاولات التخريب وعمليات التضليل. وطلب الرئيس من الحكومة إعداد خطة لحماية البنى التحتية الحيوية، تشمل صراحةً أكثر المواقع حساسية في القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية، في مواجهة مخاطر هجمات الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية. وشدد وزير الداخلية، لوران نونيز، على أن هذا التهديد موثّق جيداً، مع توضيحه أن فرنسا لم تُسجل حتى الآن أي تحليق لطائرات مسيّرة فوق أراضيها ولا أي عملية تخريب كبرى، على عكس ألمانيا، التي استهدفتها محاولة هجوم بطائرة مسيّرة على مطار لايبزيغ في أغسطس.
وفي هذا الإطار، تتدخل بشكل منهجي المديرية العامة للأمن الداخلي “DGSI”، جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسي المكلف بمكافحة التجسس، كلما مسّت حادثة موقعاً مصنّفاً حساساً، بهدف تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بفعل معزول، أو نزاع داخلي في الشركة، أو عملية موجَّهة من الخارج. ووفق خبراء في الأمن الصناعي، يمكن تعليق التصاريح الأمنية للموظفين بسرعة بمجرد رصد إشارة ضعيفة، بما في ذلك تغيّر في السلوك يُلاحَظ عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن التمييز بين سلوك فردي سيء النية، كما يبدو الحال في سيرجي، وتدخل أجنبي مؤكد، كما يشتبه المحققون في قضية تولوز، لا يمكن حسمه إلا بعد تحقيقات مطوّلة.
ما تقوله هذه القضايا الثلاث مجتمعة
ما يلفت انتباهي أكثر عند وضع هذه الملفات الثلاثة جنباً إلى جنب ليس خطورة كل واقعة بمفردها، بل تكرارها في فترة زمنية قصيرة جداً. موقع طيران استُهدف مرتين خلال أقل من سنة، سرقة مادة استراتيجية في الصناعة النووية، تسريب محتمل لصور إلى دولة ثالثة في قطاع الطائرات المسيّرة: هذه حلقات ثلاث مختلفة من السلسلة نفسها، سلسلة السيادة الدفاعية الفرنسية، تبيّن هشاشتها تقريباً في الوقت نفسه. وسواء كانت هذه الوقائع تعود في نهاية المطاف إلى توترات مهنية، أو دافع الكسب المادي، أو محاولات تدخل منظمة، فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة واحدة: النمو السريع لقطاع الدفاع، المدفوع بالسياق الجيوسياسي الأوروبي، يزيد ميكانيكياً من صعوبة مراقبة كل منصب معرّض للخطر. فالسؤال الذي تطرحه خطة الحكومة لحماية البنى التحتية الحيوية ليس إذن مسألة جدران وأجهزة استشعار فقط، بل مسألة القدرة البشرية على مراقبة قطاع يوظّف أسرع مما يستطيع التحقق منه.
أسئلة شائعة
هل تخريب مصنع الرافال في سيرجي مؤكد قضائياً؟
تقدمت داسو أفياسيون بشكوى وأكدت توقيف موظف، لكن لا الشركة ولا النيابة العامة حددتا التصنيف القانوني للوقائع أو أوضحتا تأثيرها على الإنتاج.
هل سرقة الهافنيوم لدى فراماتوم مرتبطة بعملية تجسس؟
لا، وفق المعطيات المتوفرة حتى الآن، يبدو الأمر اختلاساً بهدف الإثراء الشخصي، إذ يُرجَّح أن الموظف باع المادة لحسابه الخاص.
ما العقوبة المقررة لتخريب موقع دفاعي في فرنسا؟
تنص المادة 411-9 من قانون العقوبات على السجن خمس عشرة سنة وغرامة قدرها 225 ألف يورو، ترتفع إلى عشرين سنة و300 ألف يورو إذا كان الفعل لصالح دولة أجنبية.
هل تقتصر خطة الحماية التي أعلنها ماكرون على قطاع الدفاع فقط؟
لا، فهي تشمل مجمل البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك توزيع المياه والكهرباء، إضافة إلى المواقع الحساسة في صناعة الدفاع.