رود، الذي يتولى في الوقت نفسه قيادة وكالة NSA والقيادة السيبرانية الأمريكية، على كبار المسؤولين هيكلاً تنظيمياً جديداً يقوم على خمسة مراكز للمهام، مخصصة للذكاء الاصطناعي، والصين، والأمن السيبراني، ودعم العمليات القتالية، والاستخبارات العالمية. وقد كشفت صحيفة واشنطن بوست عن الخطة أولاً، ثم أكدت ذلك عدة وسائل إعلام متخصصة. ومن المقرر أن يبدأ تنفيذها في منتصف أكتوبر، على أن تصل إلى القدرة التشغيلية الكاملة في منتصف يناير 2027.
خلف هذا الإعلان توجد حقيقة بسيطة: في فورت ميد، ترى الوكالة أن الهيكل التنظيمي الموروث من حقبة سابقة لم يعد يتناسب مع الأولويات الحالية. فبينما تواجه الولايات المتحدة السباق العالمي نحو التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي والضغط الاستراتيجي المتزايد من بكين، تريد وكالة NSA أن تصبح أسرع وأكثر وضوحاً من الناحية الداخلية، وقادرة خصوصاً على إيصال المعلومات الاستخباراتية إلى القوات المنتشرة ميدانياً دون التأخيرات المعتادة.
خمسة أعمدة تعيد رسم الهيكل التنظيمي في فورت ميد
تستبدل الخطة المديريات الحالية بخمسة مراكز مهام مستقلة، يقود كل واحد منها مسؤول جديد يحمل منصب «مدير المهام» (Mission Director)، مع صلاحيات تقترب من صلاحيات نائب المدير. ويشمل هذا الهيكل، المصمم ليتماشى مع الأولويات التي حددتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية:
- الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح للمرة الأولى مركز مهام مستقلاً.
- الصين، التي أصبحت محوراً تنظيمياً أساسياً للاستخبارات الإشارية الأمريكية.
- الأمن السيبراني، وهو أحد الركائز التاريخية للوكالة.
- دعم العمليات القتالية، بهدف تسريع تدفق المعلومات الاستخباراتية إلى الوحدات المنتشرة في الميدان.
- الاستخبارات العالمية، والتي ستضم من الآن فصاعداً وحدة Tailored Access Operations (TAO) النخبوية.
وهذه النقطة الأخيرة ليست تفصيلاً هامشياً. فدمج وحدة TAO، المعروفة بقيادتها لبعض أكثر عمليات الاختراق السيبراني الهجومي تطوراً في العالم، ضمن إدارة الاستخبارات العالمية، يشير إلى رغبة متعمدة في دمج التجسس السيبراني مع التحليل الاستراتيجي التقليدي، بدلاً من إبقاء المجالين منفصلين داخل أقسام مغلقة.
وبحسب المعلومات التي أوردتها صحيفة The Record، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تغيير شكلي في الهيكل التنظيمي. فالهياكل الجديدة مصممة لتحل بالكامل محل المديريات الحالية، وليس لتعمل بالتوازي معها. وبالنسبة إلى وكالة تضم أكثر من 30 ألف موظف، فإن هذا التغيير يتجاوز بكثير مجرد تعديل إداري بسيط.
استجابة مباشرة للضغط الاستراتيجي الصيني
لا تأتي إعادة الهيكلة هذه من فراغ. فهي تأتي في سياق تحذير مشترك نشرته في بداية سبتمبر كل من وكالة الأمن القومي NSA، ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية CISA، ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، واتهم ست شركات صينية للذكاء الاصطناعي — DeepSeek وMoonshot AI وAlibaba وMiniMax وStepFun وZ.AI — بتنفيذ حملات واسعة النطاق لـ «التقطير الخبيث» ضد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية تقدماً.
وبحسب التحذير، استغلت هذه الشركات مليارات الرموز (Tokens) من خلال ملايين الطلبات، بهدف استخراج قدرات في الاستدلال والبرمجة والتحليل من نماذج مثل Claude وGPT وGemini وGrok، وهي قدرات لم تطورها هذه الشركات بنفسها. ويشير التحذير إلى أن هذه الممارسة تشكل «جوهر» استراتيجية الصين لتطوير الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد عنصر إضافي فيها. كما ترى الوكالات الأمريكية أن هذه العمليات تحظى على الأرجح بعلم السلطات الصينية، ولو بشكل ضمني، وهو ما رفضته بكين بشكل قاطع عبر سفارتها.
وفي هذا السياق، يصعب عدم اعتبار إنشاء مركز مهام مخصص للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مركز آخر يركز بالكامل على الصين، استجابة تنظيمية مباشرة لهذا التهديد الذي تم تحديده. وهكذا يتحول موضوعان كانا يُداران حتى الآن بشكل منفصل نسبياً إلى أولويتين هيكليتين كاملتين داخل الوكالة.
ماذا سيتغير عملياً بالنسبة إلى الاستخبارات الأمريكية؟
عملياً، يعني هذا التغيير أن تحليل قدرات الخصوم في مجال الذكاء الاصطناعي لن يعود يعتمد على إدارة تقنية فرعية مدمجة داخل هيكل أكبر، بل سيصبح من اختصاص مركز مستقل يمتلك موارده الخاصة وسلسلة قيادة مباشرة مع قيادة الوكالة.
ومن منظور عقيدة الاستخبارات، يمثل ذلك اعترافاً رسمياً بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ملف آخر بين ملفات عديدة، بل أصبح ساحة معركة بحد ذاته.
مسؤولون يتمتعون بصلاحيات أكبر، وبعضهم من خارج الوكالة
من أكثر الجوانب التي أثارت اهتماماً داخلياً هو السؤال المتعلق بمن سيقود هذه المراكز في نهاية المطاف. فقد أبلغ رود كبار مسؤولي NSA بأن مناصب «مديري المهام» قد يتم شغلها من خلال تعيينات خارجية، وهي إمكانية أثارت قلق جزء من الموظفين المخضرمين.
ففي مؤسسة كانت الترقية الداخلية فيها تقليداً راسخاً، فإن اللجوء إلى شخصيات من خارج الوكالة — قد تأتي من القطاع التكنولوجي الخاص أو من قطاع الدفاع الأوسع — يمثل قطيعة حقيقية مع العادات الراسخة.
ويعود جزء من تفسير ذلك إلى الخلفية غير التقليدية للمدير نفسه. فالجنرال رود، القادم من القوات الخاصة، يقود في الوقت نفسه وكالة NSA والقيادة السيبرانية الأمريكية، وهي مسؤولية مزدوجة غير معتادة تعكس نهجاً أكثر براغماتية، وشبه إداري، في إدارة وكالة استخبارات.
وبحسب مصادر داخلية، فقد أكد أن سرعة التنفيذ أهم من الحجم أو الابتكار أو تحقيق التكامل المثالي، حتى لو أدى ذلك إلى أن تؤدي عملية الانتقال إلى «كسر بعض الأشياء» في الطريق.
وتتعارض هذه العقلية بشكل واضح مع الثقافة التقليدية الحذرة لأجهزة الاستخبارات، حيث تستغرق التغييرات التنظيمية عادة سنوات من المشاورات الداخلية. أما هنا، فإن المنطق يبدو أقرب إلى سباق قصير وسريع منه إلى ماراثون إداري، وهو نهج يجذب بعض المسؤولين لكنه يثير القلق بوضوح لدى آخرين داخل فورت ميد.
جدول زمني ضيق حتى يناير 2027
كما أن الوتيرة المختارة لهذا التحول تكشف الكثير عن العقلية التي تتبناها القيادة الحالية. فمن المقرر أن يبدأ التنفيذ في منتصف أكتوبر 2026، بهدف الوصول إلى «القدرة التشغيلية الكاملة» في منتصف يناير 2027، أي خلال ثلاثة أشهر فقط لإجراء إصلاح يؤثر على كامل سلسلة القيادة داخل الوكالة.
وتتحدث بعض المصادر حتى عن فترة أولية لا تتجاوز 30 يوماً لتحديد الخطوط الكبرى للمشروع، مع إلزام مديري المهام المستقبليين بتقديم خططهم التفصيلية قبل نهاية سبتمبر. وهو جدول زمني طموح للغاية مقارنة بمحاولات إعادة التنظيم السابقة للوكالة، التي استغرقت تاريخياً وقتاً أطول بكثير مما كان متوقعاً.
ومن خلال متابعة قضايا الدفاع والاستخبارات، فإن هذا النوع من الجداول الزمنية المضغوطة يعكس عادةً حالة استعجال محسوسة داخلياً أكثر مما يعكس مجرد اختيار منهجي. فعندما تقبل وكالة بهذا الحجم على «كسر بعض الأشياء» من أجل التحرك بسرعة أكبر، فإن ذلك غالباً ما يشير إلى اعتقادها بأنها تأخرت في ملف تعتبره بالغ الأهمية — وفي هذه الحالة، ومن دون كثير من الغموض، المنافسة التكنولوجية مع الصين.
ما الذي يجب تذكره من عملية إعادة الهيكلة هذه؟
تبرز عدة عناصر في هذا الإعلان، بعيداً عن مجرد تغيير الهيكل التنظيمي:
- إنشاء مركز مهام مخصص للذكاء الاصطناعي يرفع هذه التكنولوجيا رسمياً إلى مستوى أولوية استراتيجية مستقلة.
- دمج TAO ضمن الاستخبارات العالمية يقرب بين عمليات التجسس السيبراني الهجومي والتحليل الاستراتيجي التقليدي.
- إمكانية الاستعانة بمسؤولين من خارج الوكالة لقيادة هذه المراكز تمثل قطيعة مع ثقافة داخلية مغلقة تاريخياً.
- الجدول الزمني شديد الاختصار، مع توقع الوصول إلى القدرة التشغيلية الكاملة في يناير 2027، يختلف بوضوح عن عمليات إعادة التنظيم السابقة.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا التسريع سيحقق النتائج المرجوة دون التسبب في اضطرابات تشغيلية مكلفة للغاية. ولم ترد وكالة NSA على طلبات الصحافة للتعليق على هذا الموضوع، وهو أمر ليس مستغرباً بالنظر إلى مستوى السرية المحيط بأنشطتها.
الأسئلة الشائعة
لماذا تعيد NSA هيكلة نفسها في عام 2026؟
تريد الوكالة مواءمة تنظيمها مع الأولويات الحالية — الذكاء الاصطناعي، والمنافسة مع الصين، والأمن السيبراني — وتسريع وصول المعلومات الاستخباراتية إلى القوات المنتشرة في الميدان.
ما هي مراكز المهام الخمسة الجديدة في NSA؟
هي مراكز الذكاء الاصطناعي، والصين، والأمن السيبراني، ودعم العمليات القتالية، والاستخبارات العالمية، ويقود كل منها «مدير مهام» يتمتع بصلاحيات موسعة.
ما علاقة ذلك بشركات الذكاء الاصطناعي الصينية؟
تأتي إعادة الهيكلة بعد تحذير مشترك صادر عن NSA وFBI وCISA، اتهم ست شركات صينية — من بينها DeepSeek وAlibaba — بتنفيذ حملات واسعة النطاق لتقطير المعلومات من نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
متى سيصبح الهيكل التنظيمي الجديد جاهزاً للعمل بشكل كامل؟
من المقرر أن يبدأ تنفيذ الهيكل الجديد في منتصف أكتوبر 2026، مع توقع الوصول إلى القدرة التشغيلية الكاملة في منتصف يناير 2027.