في اليمن، لم يعد ملف تسليح الحوثيين يُطرح بالصيغة نفسها تمامًا. فلسنوات، تركّز الاهتمام على شحنات الأسلحة الجاهزة القادمة من إيران.
- بحسب بلومبرغ، تصل مكوّنات صينية إلى اليمن عبر مسارات تجارية.
- بعضها مزدوج الاستخدام، مدنيًا وعسكريًا.
- في عدن، عُثر في أربع حاويات على قطع تشبه مكوّنات صواريخ.
- لا يوجد دليل على أن الشركات الصينية المصنِّعة كانت تعرف المستلم النهائي.
- يسيطر الحوثيون الآن على المخا ومناطق قريبة من باب المندب.
يدعو تحقيق نشرته بلومبرغ في 24 سبتمبر 2026 إلى النظر في اتجاه آخر: سلاسل إمداد تجارية وآلات صناعية وقطع لا تُعدّ، في معظمها، أسلحةً ما دامت غير مُجمَّعة. في هذا التحليل، نعرض ما تثبته هذه المعطيات وما لا تثبته، ولماذا تهمّ أمن البحر الأحمر.
تحقيق ينقل زاوية النظر
تعتمد بلومبرغ على ثلاثة أنواع من المصادر: بيانات الشحن، والوثائق الجمركية، وتقارير الأمم المتحدة. ويشير التقاطع بينها إلى أن معدات ومكوّنات من أصل صيني وصلت إلى اليمن عبر قنوات تجارية عادية. ويوصَف جزء من هذه المنتجات بأنه «مزدوج الاستخدام»، أي أنه يخدم الصناعة المدنية والتطبيقات العسكرية على السواء.
غير أن الوسيلة الإعلامية تحدّد نقطة جوهرية: لا شيء يثبت أن المصنّعين الصينيين كانوا يعرفون المستلم النهائي لبضائعهم. كما يمكن بيع جزء كبير من هذه المنتجات قانونيًا في القطاع المدني. ونبقي هذا التحفظ حاضرًا على امتداد المقال، لأنه يؤطّر قراءة الملف بأكمله.
![]()
ما كشفته عمليات التفتيش في ميناء عدن
بحسب التحقيق، اكتشفت السلطات اليمنية، خلال عمليات تفتيش في ميناء عدن، مواد ومعدات وصلت ضمن سلسلة إمداد مرتبطة بمكوّنات صناعية صينية.
وقد لفتت عدة عناصر انتباه المحققين. فقد كانت هناك راتنجات الفينول، وهي مادة مقاومة للحرارة تُستخدم في تطبيقات صناعية عديدة. وكانت هناك أيضًا زعانف ذيلية وقطع أخرى بدت، بحسب مسؤولين يمنيين، شبيهة بمكوّنات مستخدمة في منظومات الصواريخ.
كما ضمّت الحاويات التي جرى تفتيشها لاحقًا آلات ومعدات يمكن استخدامها في تصنيع قطع دقيقة، وأنظمة تحكّم، ومعدات إطلاق، ومحركات ثنائية الأسطوانات من النوع الذي يُستخدم في بعض الطائرات المسيّرة.
والنقطة اللافتة هي طبيعة الشحنة. فهي لا تتألف، بحسب هذه المعطيات، من أسلحة كاملة، بل من حلقات في سلسلة صناعية قد تتيح تجميع أو تصنيع بعض المنظومات محليًا.
شحنة موزّعة على أربع حاويات
بحسب المسؤولين اليمنيين الذين نقلت عنهم بلومبرغ، كانت الشحنة موزّعة على أربع حاويات، ما صعّب تحديد طبيعتها. وأوضح فواز البسيسي، المسؤول في وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لسلطة ميناء عدن، أن المكوّنات التي عُثر عليها يكمّل بعضها بعضًا، وأنها يمكن، بعد تجميعها، أن تشكّل مجموعة مرتبطة ببنية صاروخ.
وشملت الشحنات كذلك آلات ذات تحكّم رقمي قادرة على إنتاج قطع دقيقة، إضافة إلى معدات حفر وتهوية. ولهذه الأخيرة استخدامات مدنية واضحة. وبحسب مسؤولين يمنيين، يمكن استخدامها أيضًا في بناء منشآت محصّنة أو بنى تحتية تحت الأرض.
هذا التشتّت في العناصر هو لبّ الصعوبة. فكل قطعة، إذا نُظر إليها منفردة، عادية. أما اجتماعها فهو ما يغيّر القراءة.
لماذا يعقّد الاستخدام المزدوج عمليات الرقابة
لا يُصنَّف جزء كبير من المعدات المذكورة ضمن الأسلحة. فالمحركات والمكوّنات الإلكترونية وأجهزة التحكّم وبعض المواد المركّبة والآلات ذات التحكّم الرقمي تغذّي صناعات مشروعة تمامًا. ومرورها عبر القنوات التجارية الدولية لا يحوّلها بالتالي، في حد ذاته، إلى شحنات عسكرية.
وأمام السلطات الجمركية وسلطات الموانئ، التحدي مزدوج. فعليها رصد التدفقات المشبوهة وسط تجارة مشروعة ضخمة، وغالبًا دون توفر معلومات عن المستخدم النهائي. وتعتمد الرقابة إلى حد بعيد على الإقرارات والوثائق، ما يترك هامشًا لمن يجيد تجزئة طلبياته.
من استيراد الأسلحة إلى التصنيع المحلي
يمثّل هذا التطور تحوّلًا في طبيعة الصناعة العسكرية لدى الحوثيين. ففي السنوات الأخيرة، ارتبط تسليح الجماعة أساسًا بأسلحة ومكوّنات مصدرها إيران. لكن عمليات اعتراض سابقة أظهرت أن شبكات الإمداد باتت تشمل مكوّنات منفصلة تُجمَّع داخل اليمن.
ويصبّ عنصران من السياق في هذا الاتجاه. ففي مايو 2026، أشارت تقارير مبنية على بيانات منظمة «كونفليكت أرمامنت ريسيرش» إلى أن قطعًا لصواريخ وطائرات مسيّرة تصل إلى الحوثيين عبر شبكات دولية معقّدة، وأن بعض المنظومات صُمّمت بحيث يمكن تجميعها من عناصر منفصلة على الأراضي اليمنية. وفي يوليو 2026، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن إيران أرسلت إلى اليمن مستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ولا تتعارض هذه المعلومات فيما بينها. فهي ترسم منظومة أوسع، يتعايش فيها الدعم التقني الإيراني مع اتساع قنوات شراء المكوّنات التجارية. ويفسح نموذج السلاح المستورد «الجاهز للاستخدام» المجال أمام مزيج من الخبرة التقنية والمعدات الصناعية والقطع الأجنبية.
ما الذي تغيّره المكوّنات الصينية وما الذي لا تغيّره
أهمية هذه القنوات بسيطة. فتوافر المكوّنات التجارية عالميًا يتيح الوصول إلى طيف واسع من التقنيات دون الحاجة إلى اقتناء منظومات عسكرية كاملة. ويرى خبراء استشارتهم بلومبرغ أن توافر المحركات والمكوّنات الإلكترونية ووحدات التحكّم وعناصر الملاحة ومجموعات نقل الحركة والمواد المركّبة من مصادر صينية قد يسهّل الحصول، من الأسواق التجارية، على جزء مهم مما يتطلبه إنتاج الطائرات المسيّرة.
وعلى الصعيد العسكري، الرهان واضح. فالتصنيع أو التجميع محليًا يقلّص الاعتماد على شحنات الأسلحة الجاهزة، ويزيد من صعوبة رصد سلسلة الإمداد.
غير أن ثمة تحفظًا لازمًا. فامتلاك المكوّنات لا يعني إتقان إنتاج منظومة أسلحة كاملة. إذ يتطلب صاروخ أو طائرة مسيّرة موثوقة هندسةً وتصميمًا واختبارات وأنظمة توجيه وملاحة وقدرات إنتاج ومراقبة جودة. ولذا فإن التحقيق يسلّط الضوء على الوصول إلى القطع، لا على مستوى أداء الأسلحة الناتجة عنها، وهو ما لا يتيح تقييمه.
كما لا يثبت التحقيق أن كل المنتجات الصينية الواصلة إلى اليمن موجّهة لاستخدام عسكري، ولا أن الشركات المصنِّعة المعنية تعرف المستخدم النهائي. وغياب الدليل هذا لا يقول شيئًا عن درجة يقظتها، لكنه يمنع نسبة أي نية إليها.
الطائرات المسيّرة والساحل الغربي ومضيق باب المندب
يندرج هذا الجانب الصناعي في سياق تحتل فيه الطائرات المسيّرة موقعًا متزايدًا في الحرب اليمنية. ففي أغسطس 2026، أظهرت مقاطع نشرها الحوثيون هجومًا بطائرة مسيّرة على دبابة سعودية من طراز «إم 1 إيه 2 إس أبرامز» في محافظة مأرب. ولم يجرِ التحقق من الأضرار بشكل مستقل، بحسب تحليلات هذه المقاطع. وتشير تقارير أخرى من الفترة نفسها إلى ارتفاع استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ في العمليات على الساحل الغربي.
وقد تغيّر وجه هذا الساحل للتو. ففي 10 سبتمبر 2026، سيطر الحوثيون على مدينة المخا وميناءها على البحر الأحمر، قبل أن يوسّعوا سيطرتهم إلى مساحات واسعة من الشريط الساحلي وإلى جزر استراتيجية قرب مضيق باب المندب، بحسب رويترز ووسائل إعلام أخرى. وتقع هذه المنطقة على إحدى أهم الطرق البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.
ويضيف اجتماع هذين التطورين، أي قدرة أكبر على الإنتاج أو التجميع محليًا والسيطرة على قطاعات ساحلية استراتيجية، بُعدًا جديدًا إلى معادلة الأمن البحري. وهو لا يسمح، في هذه المرحلة، بالتنبؤ بالنتائج الملموسة على حركة الملاحة.
محطات زمنية
- مايو 2026: تقارير تستند إلى «كونفليكت أرمامنت ريسيرش» تصف قطعًا لصواريخ وطائرات مسيّرة تُنقل عبر شبكات معقّدة، مع إمكان تجميع بعض المنظومات في اليمن.
- يوليو 2026: رويترز تنقل أن إيران أرسلت مستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
- أغسطس 2026: الحوثيون ينشرون مقاطع لهجوم بطائرة مسيّرة على دبابة سعودية في مأرب، دون تحقق مستقل من الأضرار.
- 10 سبتمبر 2026: السيطرة على المخا وميناءها، ثم توسيع السيطرة إلى مناطق ساحلية أخرى وجزر قرب باب المندب.
- 24 سبتمبر 2026: نشر تحقيق بلومبرغ حول المكوّنات الصينية.
سؤال يبقى مفتوحًا
تشير الشحنات التي تتبّعتها بلومبرغ إلى تطور تدريجي في نموذج الإنتاج لدى الحوثيين، من الاعتماد على أسلحة مستوردة إلى استخدام مكوّنات تجارية ومعدات مزدوجة الاستخدام للتصنيع والتجميع داخل اليمن. ويُظهر تراكم عمليات الاعتراض والبيانات الجمركية وتقارير الأمم المتحدة اتساع شبكة إمداد يمكن أن تعزّز القدرات المحلية للجماعة.
ويبقى أن نعرف كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل مع ظاهرة لا تندرج ضمن الاتجار التقليدي بالأسلحة. فتشديد الرقابة على السلع مزدوجة الاستخدام يستلزم تعاونًا بين الدول المصدّرة ودول العبور وسلطات الموانئ، وتوازنًا دقيقًا مع حرية التجارة المشروعة. وما دامت المعارك مستمرة على الساحل الغربي وقرب باب المندب، ستبقى القدرة على الإنتاج محليًا عنصرًا أساسيًا في قراءة موازين القوى.
الأسئلة الشائعة
هل أثبتت السلطات أن الصين تسلّح الحوثيين؟
لا. تشير بلومبرغ إلى عدم وجود دليل على أن المصنّعين الصينيين كانوا يعرفون المستلم النهائي لمنتجاتهم، وكثير منها له استخدامات مدنية مشروعة.
ما المقصود بالمكوّن مزدوج الاستخدام؟
هو منتج يمكن استخدامه لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء، مثل محرك أو مكوّن إلكتروني أو آلة ذات تحكّم رقمي.
ماذا يعني اكتشاف عدن بالنسبة إلى إنتاج الحوثيين؟
يشير إلى أن عناصر متكاملة موزّعة على عدة حاويات قد تتيح تجميع أو تصنيع بعض المنظومات في اليمن، بحسب مسؤولين يمنيين.
هل تضمن هذه المكوّنات أسلحة عالية الأداء؟
لا. فإنتاج صاروخ أو طائرة مسيّرة يتطلب أيضًا هندسة واختبارات وأنظمة توجيه ومراقبة جودة.