المقابلة التي أجراها الجنرال فابيان ماندون، رئيس أركان الجيوش الفرنسية، تقدّم أخيراً إجابات مباشرة عمّا عاشته القوات الفرنسية منذ ذلك السبت الذي دفع الشرق الأوسط نحو الحرب. بين المفاجأة الاستراتيجية، والانتشار البحري الخاطف، والخسائر البشرية، يرسم هذا الشهادة أدق صورة متاحة حتى الآن عن دور فرنسا في هذا النزاع.
اندلاع فاجأ هيئة الأركان نفسها
ما يلفت الانتباه فوراً في رواية الجنرال ماندون هو الغياب التام لأي إنذار مسبق من الجانب الأمريكي. فرغم التواصل الأسبوعي المشفّر مع نظيره الأمريكي، لم تتلقَّ فرنسا أي معلومات مسبقة عن إطلاق الضربات. صحيح أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية كانت قد رصدت مؤشرات على هجوم وشيك — تعزيز الوسائل الأمريكية في المنطقة، وتصاعد التوتر الدبلوماسي — لكن القرار النهائي بقي امتيازاً أمريكياً إسرائيلياً حصرياً.
هذا الغياب في التنسيق المسبق ليس تفصيلاً عابراً. إنه يذكّرنا بحقيقة كثيراً ما نغفل عنها: حتى أقوى التحالفات تترك لكل دولة سيادتها الكاملة على توقيت قراراتها العسكرية. بالنسبة لفرنسا، التي لديها قرابة 400 ألف مواطن يعيشون أو يعملون في منطقة الخليج، اتخذ الخبر على الفور طابعاً وجودياً.
فرنسا في حالة تأهب منذ الساعات الأولى
فور الإعلان عن الضربات، انتقلت القواعد الفرنسية من المشرق حتى جيبوتي إلى وضعية الدفاع. اضطر طيارو مقاتلات رافال المنتشرون بالفعل في المنطقة إلى التحول خلال ساعات من تشكيلة جو-أرض إلى تشكيلة جو-جو، لضمان الدفاع الجوي عن المنشآت الفرنسية والمجال الجوي للدول الشريكة. ومنذ اليوم الأول، تمكّنت الأطقم الفرنسية من إسقاط طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية كانت تستهدف دول الخليج.
هذا التحول في الوضعية يجسّد مبدأً دافعت عنه العقيدة العسكرية الفرنسية منذ سنوات: ضرورة وجود قوات متمركزة مسبقاً، قادرة على الاستجابة “في لحظتها”. فلولا هذا الوجود السابق في الخليج، لكانت الحماية الفورية للمواطنين والمصالح الفرنسية مستحيلة.
حاملة الطائرات شارل ديغول، انتشار بسرعة قياسية
من أكثر الفصول إثارة في هذا التدخل، إعادة نشر حاملة الطائرات شارل ديغول. كانت تشارك في البداية في تمرين قبالة سواحل النرويج، لكن المجموعة البحرية استدارت بعد ضربات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت قبرص، الأراضي الأوروبية التي باتت في مرمى الأذرع الإيرانية. الوجهة: شرق البحر المتوسط، عبر بحر الشمال والمانش وخليج بسكاي ومضيق جبل طارق: 6000 كيلومتر قُطعت في ستة أيام، إنجاز لم تحققه البحرية الفرنسية من قبل.
انضمت لاحقاً إلى المجموعة البحرية فرقاطات إيطالية وإسبانية وهولندية، بينما شاركت اليونان في حماية قبرص. وحين اكتمل الانتشار، ضمّت القوة نحو 3000 عسكري، وعشرين مقاتلة رافال، وست فرقاطات، وغواصة نووية هجومية، وسفينة تموين — قوة تكاد تعادل ما كان منتشراً بالفعل في الشرق الأوسط قبل اندلاع الأزمة.
في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، حرب استنزاف اقتصادي
يشير الجنرال ماندون إلى بُعد من أبعاد النزاع غالباً ما يُستهان به: “تحوّل ميدان المعركة إلى ساحة طائرات مسيّرة”. راهنت إيران على أعداد ضخمة من المسيّرات الرخيصة لإشباع الدفاعات المعادية، مما أجبر الجيوش الغربية على إعادة التفكير في ردودها، لأن الصواريخ المتطورة باهظة الثمن مقارنة بهذا النوع من التهديد. وخلال أسابيع قليلة فقط، ظهرت عدة حلول، دليلاً على استجابة صناعية سريعة نادراً ما تُلاحظ:
- نشر مروحيات تيغر مزودة بمدافع عيار 30 ملم، وقد أثبتت فعالية خاصة ضد المسيّرات البطيئة
- تطوير سريع لصواريخ مضادة للمسيّرات، أرخص بكثير من الصواريخ التقليدية
- العمل الجاري على مسيّرات “قاتلة للمسيّرات” لحماية القوات في الميدان
- تنسيق دائم بين فرق هيئة التسلح والوحدات المنتشرة، ليل نهار
الحرص على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على سلسلة الإنتاج — دون أي “صندوق أسود” مصدره تجهيزات أجنبية — قُدِّم كركيزة أساسية للسيادة العسكرية الفرنسية، في مقابل الاعتماد على العتاد الأمريكي.
الثمن البشري لتدخّل لا شيء فيه نظري
ما شاركه الجنرال ماندون بجدية خاصة هو الثمن البشري الذي دفعته القوات المسلحة الفرنسية في هذه الحرب. لقي الرقيب أول أرنو فريون مصرعه في هجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة في العراق، حيث كانت فرنسا تدعم القوات المحلية. وفي لبنان، حيث يُنتشر نحو 700 جندي فرنسي ضمن بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وقعت قافلة عسكرية في كمين نصبه حزب الله، ما أودى بحياة جنديين آخرين.
تذكّر هذه الخسائر بأن فرنسا لم تكن مجرد متفرجة على النزاع. بين العراق، حيث ضاعفت الميليشيات الموالية لإيران هجماتها على القوات الغربية، ولبنان، الواقع بين إسرائيل وحزب الله، وجد الجنود الفرنسيون أنفسهم مكشوفين على عدة جبهات في آن واحد، بعيداً عن الأضواء المسلطة على طهران وتل أبيب.
مضيق هرمز، المعركة الاقتصادية الموازية
إلى جانب الضربات العسكرية، سارعت إيران إلى تحويل النزاع إلى اختبار للقوة الاقتصادية بإغلاق مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو 20% من حركة النفط العالمية. وقد انعكس هذا الإغلاق مباشرة على أسعار الوقود في فرنسا وأثّر في سلاسل الإمداد حول العالم.
وبدلاً من الانضمام إلى الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة من جانب واحد، أطلقت فرنسا مبادرتها الدبلوماسية الخاصة، بمشاركة أكثر من 50 دولة، لتمهيد الطريق أمام إعادة فتح تفاوضية للممرات البحرية. وأُبقيت وسائل كسح الألغام والغواصون المتخصصون في حالة استعداد للتدخل بمجرد أن يسمح وقف إطلاق النار — مذكرة إسلام آباد، الموقّعة في يونيو 2026 — بعودة الملاحة البحرية الآمنة.
ما الذي تغيّره هذه الحرب بالنسبة للجيش الفرنسي؟
بعد التمعّن، ما يلفت انتباهي أكثر في هذه الشهادة هو التواضع الذي يبديه رئيس أركان الجيوش. فالاعتراف بأن إيران، رغم تفوق جوي إسرائيلي أمريكي ساحق، تمكّنت من الحفاظ على قدرة إيذاء مستمرة عبر ميليشياتها الإقليمية وحربها الاقتصادية، هو إقرار بأن أي تفوق تكنولوجي لا يضمن نصراً سريعاً. هذا الدرس يتجاوز الحالة الإيرانية بكثير: إنه يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة أي قوة غربية على استباق خصوم يلعبون بورقة اللاتناظر بدلاً من المواجهة المباشرة.
بالنسبة لفرنسا، أكدت هذه الأزمة أيضاً قيمة الولاء الاستراتيجي: فبوفائها بالتزاماتها تجاه قطر والإمارات العربية المتحدة والكويت، عزّزت مصداقيتها لدى شركاء طالما نظروا بحذر إلى القوى الغربية الكبرى.
الأسئلة الشائعة
متى بدأت حرب إيران عام 2026؟
اندلع النزاع في 28 فبراير 2026، بضربات مشتركة أمريكية إسرائيلية على إيران، ردّت طهران عليها بموجة من الصواريخ والمسيّرات في أنحاء المنطقة.
كم عدد الجنود الفرنسيين الذين قُتلوا خلال هذا النزاع؟
قُتل عدة جنود فرنسيين، من بينهم الرقيب أول أرنو فريون في العراق، وجنديان في كمين بلبنان ضمن بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
لماذا أرسلت فرنسا حاملة الطائرات شارل ديغول؟
لحماية مواطنيها في منطقة الخليج، ودعم حلفائها الإقليميين الذين طالتهم الردود الإيرانية، وللمساعدة لاحقاً في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز.
هل انتهى النزاع اليوم؟
وُقِّع وقف لإطلاق النار، هو مذكرة إسلام آباد، في يونيو 2026، لكن الوضع لا يزال هشاً، وتبقى إعادة الفتح الكاملة لمضيق هرمز مرهونة باستقرار الأوضاع في الميدان.